وعن أنس: بينما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي إذ جاءه رجل قد حفَزه النفَس ـ أي يلهث وتتتابع أنفاسه ـ فقال: الله أكبر، الحمد لله كثيرًا طيبًا مبارَكًا فيه. فلما قضى الرسولُ الصلاةَ قال:"أيُّكم المتكلمُ بالكلمات؟"فأَرِمَ القومُ ـ أطرَقوا سكوتًا ـ فقال الرسول:"إنه لم يَقُلْ بأسًا"فقال الرجل: أنا يا رسول الله. فقال:"لقد رأيتُ اثنَيْ عشرَ مَلَكًا يَبتَدرونها، أيُّهم يرفعُها إلى الله".
وظاهر أن الصحابي القائل أنشأ الكلمة من بيانه ولم يُسبَق إليها. إنها نَضْحُ الإيمان الذي تعلمه من نبيه فأطلق لسانه بهذا الثناء والتكبير.
ومعرفة الأسماء الحسنى ليس تصورًا نظريًّا للكمال الذي تومئ إليه، إنها في إحساس المؤمن، لابد أن تختلط بشئون الحياة التي يحياها وتُمليَ عليه السلوك الذي يلائمها.
لاحظتُ أنه في أوائل سورة الحديد قُرَابة خمسة وعشرين اسمًا ووصفًا لله تعالى، تَتابَعَ سردها على نحو يُثير الفؤاد.
ثم لاحظت كأن هذا كله كان تمهيدًا لتكاليف محددة من الإيمان والإنفاق والجهاد والهجرة بدأت بقوله تعالى: (آمِنوا باللهِ ورسولِه وأَنفِقوا مما جعَلكم مستَخلَفِين فيه فالذين آمَنوا منكم وأنفَقوا لهم أجرٌ كبيرٌ) (الحديد: 7) .
إن إحصاء الأسماء الحسنى كما جاء في الحديث الشريف هو إقامةُ الخُلُقِ والسلوكِ عليها.
من أولَى من الله أن نؤمن به؟
إنه الأول والآخر والظاهر والباطن!
من أولَى من الله أن نَرفَع الصوتَ بتسبيحه وتكبيره؟
إنه الله الذي سبح له ما في السماوات والأرض.
من أولَى من الله أن نُنفق في سبيله؟
إنه مانح المال في الحياة ووارثه مع فناء الكون كله.
من الذي يَلجأ إليه الحائر ويَستهدي به التائه؟
إنه النور، الهادي.
من الذي يُنقَّى له القلب وتُخلَص له النية؟
إنه العليم بذات الصدور.