فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 566

أيمنعني ذاك من التَّرَدُّد بين بَيْتِي والمسجد؟ قالوا: لا. قال: لا خَطَرَ إذًا! ليس هناك ما يُخِيف.

من أركان العظمة أن يجعل الرجل مآربَه من الدنيا في أضيق نطاق مستطاع، إنه يُعني عدوه بذلك الاستعفاف أو الاستغناء. وذلك نَهْج الشرف الذي خَطَّه عليّ بن أبي طالب عندما قال:"اسْتَغْنِ عمن شئتَ تكُنْ نظيرَه، واحْتَجْ إلى مَن شئتَ تكُنْ أَسِيرَه". وما يستقيم على هذا النهج إلا امرؤٌ يُحْسِن الصيام.

أعجبتني هذه الوصيةُ لأبي عثمانَ النوريِّ لابنه، وأثبتها الجاحظ، وليس لي في كتابتها إلا فضلُ النقل:

"يا بُنَيَّ، كُلْ ممَّا يَلِيكَ، واعلَمْ أنه إذا كان في الطعام لقمةٌ كريمة أو شيء مُستطرَف فإنما ذلك للشيخ المُعَظَّم أو الصبيِّ المُدَلَّل، ولَسْتَ واحدًا منهما."

يا بنيَّ، عَوِّدْ نفسك مجاهدةَ الهوى والشهوة، ولا تَنْهَشْ نَهْشَ السباع، ولا تَخْضِمْ خَضْمَ البِغَال، ولا تَلْقَمَ لَقْمَ الجِمَال، الله جعلك إنسانًا فلا تجعلْ نفسك بهيمة، واعلَمْ أن الشِّبَعَ داعية البَشَم، والبَشَم داعية السَّقَم، والسَّقَم داعية الموت. ومن مات هذه المِيتَة فقد مات مِيتَة لئيمة؛ لأنه قاتِلُ نفسِه، وقاتلُ نفسِه أَلأَمُ من قاتلِ غيره.

يا بنيَّ، واللهِ ما أَدَّي حقَّ الركوع والسجود ممتلئٌ قَطُّ، ولا خَشَعَ لله ذو بِطْنَةٍ، والصومُ مَصَحَّة، والوجبات عيش الصالحين.

يا بنيَّ، قد بَلَغْتُ تسعين عامًا، ما نَقَصَ لي سِنٌّ ولا انتشَر لي عصَب، ولا عَرَفْتُ ذَنِينَ أنْفٍ، ولا سَيَلَان عَيْن، ولا سَلَسَ بَوْل، وما لذلك علةٌ إلا التخففَ من الزاد، فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فتلك سبيل الموت، ولا أبعَدَ اللهُ غيرَك"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت