هذه وصية رجل لا يعرف عبادة الجسد التي تَهَاوَى فيها أبناء هذا العصر، والتي جاء فيها قوله تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر: 3) وقوله: (وَالذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (محمد: 12) وتَجْتَاح الناسَ بين الحِينِ والحِينِ أزماتٌ حادَّة تَقْشَعِرُّ منها البلاد، ويَجِفُّ الزرع والضَّرع، ما عساهم يفعلون؟ إنهم يصبرون مُرغَمين، أو يصومون كارهين، وملءَ أفئدتهم السُّخْطُ والضيقُ، وشريعةُ الصوم شيء فوق هذا، إنها حِرْمان الواجد ابتغاءَ ما عند الله، إنها تحمل للمرء منه مندوحة لو شاء، ولكنه يُخْرِس صِياحَ بَطْنِهِ ويُرْجِئُ إجابةَ رغبته مُدَّخِرًا صَبْرَه عند ربه كَيْمَا يَلْقَاه راحة ورضا في يوم عَصيب (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (هود: 103) .
ورَبْطُ التعب بأجر الآخرة هو ما عناه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله:"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه". إن كلمتَي"إيمانًا واحتسابًا"تَعنيان جُهدًا لا يُستعجَل أَجْرُه ولا يُطلَب اليومَ ثمنُه؛ لأن باذِلَه قرَّر حين بَذَلَه أن يجعله ضمن مدخراته عند ربه، نازلًا عند قوله: (ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) (النبأ: 39) .
وسوف يَجِدُ الصائم مُفْطِرِين لا يَعْرِفون لرمضان حُرْمَة ولا لصيامه حِكمة، إذا اشتَهَوا طعامًا أَكَلُوا وإذا شَاقَهُم شراب أَكْرَعُوا، ماذا يَجِدُونَ يوم اللقاء؟