ووقفت مَلِيًّا عند حديث رواه البخاريّ أَضَعُه بين أيدي المؤمنين ليَرَوْا فيه بعض معالم المجتمع الأول: عن أبي جُحيفة، رضي الله عنه، قال: آخَى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين سلمانَ وأبي الدرداء، رضي الله عنهما، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلَة أي رأى ثيابها رديئة الهيئة فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاءه أبو الدرداء فصنع له طعامًا وقال له: كل. فقال: إني صائم. فقال سلمانُ: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل. فأكل وترك صومه، فلَمَّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال له سلمان: نَمْ. فنام،
فلَمَّا كان من آخر الليل قال سلمان: قُمِ الآن. فَصلَّيَا، فقال له سلمان:"إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حق حقَّه"فذكَر ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال:"صدق سلمان".
قلت في نفسي: إن البيئة التي يَصْنَعُها خَطُّ الانحراف ترى في سؤال سلمان لأم الدرداء جريمةً، وترى في إجابة أم الدرداء جريمةً أَشَدَّ، وربما عالَجَت هذا بضربٍ تَزْهَقُ فيه الروح أو يترك عاهة مستديمة!
ولا أدري كيف يَتِمُّ الزواج في هذه المجتمعات المغلَقة، يكاد يكون نوعًا من المقامرة! ومن أجل ذلك عُرِفَ العرب في عواصم أوربا وأمريكا بالسُّعَار الجنسيّ، وغُلِّقَت بيوت لا تُحصَى على آلاف العَوَانِس! والسبب في ذلك تقاليدُ فَرَضَها العرب من عند أنفسهم على المسلمين ما أنزل الله بها من سلطان.