فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 566

ومن السخف كذلك تَصَوُّرُ الشارع يُحَرِّم الخمر السائلة ويتجاوز عن عقاقيرَ جامدةٍ قد تكون أشدَّ من الخمر ضراوة وأعظمَ فَتْكًا، وإذا كان أَئِمَّة الفقه الأقدمون لم يَذْكُرُوا الحشيش والأفيون فلأن بيئاتهم لم تعرفه، فَلَمَّا ظهرت بعض المخدرات أيام ابن تيمية عَدَّهَا لِفَوْرِهِ من الخمور. وفي أيامنا هذه ظهرت عقاقيرُ أخرى، كالكوكايين والماريجوانا وغيرهما، تغتال العقول وتهلك المدمن وتستأصل إنسانيته، فكيف تُتْرَك؟

وفي الحديث:"كل مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكل مسكر حرام"وفي حديث آخر:"إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من البُرِّ خمرًا، وإن مِن الشَّعِيرِ خمرًا، وأنهاكم عن كل مُسْكِرٍ". وظاهر من الحديث أنه يَسُوقُ نَمَاذِجَ ثم يَذْكُرُ القاعدة العامة، ونحن لا نَهْتَمُّ بالأسماء ولا بالمصادر، وإنما نهتم بالتشخيص العلميّ للأشربة والعقاقير، فما ثبت تغييبه للعقل أو ما أفقَدَ المرءَ اتزانَه الفكريَّ فهو مُحَرَّم بيقين!

ولم تكن الخمر مألوفة في البيئات الإسلامية، وأذكر أنني في طفولتي سِرْتُ مع موكب كثيف من أهل قريتنا وراء رجل ثَمِلٍ، نستغرب تَمَايُلَه ونستنكر سُكْرَه، وعرفت أنه سَكِرَ في حانة فتحها بعض اليونانيين في ظِلِّ الاحتلال الإنجليزيّ. ثم أخذت الخمر تَشِيعُ مع هَيْمَنَةِ الاستعمار على شؤوننا، ثم أَمْسَت معهودة في الأحفال"الدبلوماسية"وعلى موائد بعض المُنْحَلِّين!

والواقع أن الخمر غامضة الحكم بين النصارى، وأَغْلَبُهُم يَسْتَحِلّ قَلِيلَها ويَنْأَى عن كثيرها! وإن كان القليل عادة يَجُرُّ إلى الكثير، وتلك طبيعة عامة في الأشربة المسكِرة والعقاقير المخدِّرة، ومع اضطراب الأعصاب وما وَفَدَت به المدنية من هموم رأينا من يُؤثِر الغيبوبة على مواجهة المَكَارِهِ! ولا بأس أن يُغمِض بصره أو بصيرته حتى لا يرى ما يَكرَه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت