فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 566

أهو منطق العامة؟ أم هو لون من الانتحار؟ أم هو التماس السرور في الأوهام؟ كما قال الأعرابي الأبلَه:

وَإِذَا سَكِرْتُ فَإِنَّنِي رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ!

وَإِذَا صَحَوْتُ فَإِنَّنِي رَبُّ الشُّوَيهَةِ وَالبَعِيرِ!

إن فترة الغيبوبة التي يُحِدثها السكر تُعَطِّل عمل العقل وتترك الشهوات سائبة دون قيد، وتتيح الانطلاق الحيوانيّ دون خوف على كرامة أو تَهَيُّبٍ لسلطة! وقد حكى الأدباء أن بَدَوِيَّة وَفَدَت على بغداد وحَضَرَت عُرْسًا يُشرَب فيه المنكر، فَلَمَّا انتَشَت قالت: أَيَشْرَبُ هذا نِسَاؤُكُم؟ قالوا: بلى. قالت: زَنَيْنَ ورب الكعبة!

الحق أن تحريم الخمور حِفَاظ على الدين والشرف والخلق والكرامة، إلا أن الأوربيين مَشَوْا في طريقهم، فلَمَّا رَأَوْا المخدِّرات سريعة التدمير للأمة حَظَرُوها بعنف، ويوجد تعاون عالميّ على مطاردة هذه المخدرات ومعاقبة تُجَّارِهَا ومتناوليها. أما الخمر فقد ازداد الإحساس بضراوتها في الأيام الأخيرة، وتوجد حكومات غير إسلامية تحرمها ـ كالهند مثلًا ـ لضرورات قومية، وفي العالَمَين الرأسماليّ والشيوعيّ تنطلق الدعايات الصحية والاجتماعية للتنفير منها وإبراز مَقَابِحِهَا، فهل ذلك يكفي؟

إن الإسلام تَأَنَّى في إعلان حُكْمِهِ على الخَمْرِ وإن كان من أول يوم ينظر إليها شَزْرًا، ولم يُقَرِّر مهاجمتها إلا بعد أن أقام دَعَائِمَ مِنَ الإيمان، وضوابط الأخلاق تُعِينُ على الخلاص منها، فَلَمَّا أصدر الحكم بعد هذا المِهَاد أُرِيقَت دِنَانُ الخمر في الأَزِقَّة، ورُمِيَت قِرَبُها في المزابل. أي أنه لابد من مقدمات نفسية وفكرية تسبق أو تساند الحَظْرَ، وجمهور الأطباء والمُرَبِّين والساسة والقُوَّاد العسكريين يكافحون المسكرات في العهود الأخيرة، وأظن أنه لا يَمْنَع من عقاب شاربيها إلا الخوف من التَّشَبُّه بالإسلام!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت