ثم جاءوا إلى الكنعانيين العرب ووصفوهم بأنهم كلاب! وقد امتدَّ هذا الوصْف حتى ذُكر في العهد الجديد، فقد لَقيَت امرأةٌ كنعانية عيسى وهو يدعو في بيت المقدس، وصاحت به: يا سيدُ يا بنَ داود، بِنْتِي مريضة جدًّا وطلبَت منه شفاءها، فقال لها: اذهبي يا امرأة فإن طَعام البَنين لا يُرْمَى للكلاب يعني بالبَنين بني إسرائيل، وبالكلاب الكَنعانيين فقالت المَحزونة: والكلابُ أيضًا تأكل أقدام السادة! فشفَى لها ابنتها بعد هذه الضراعة الذليلة.
ونحن نجزم بأن الإنسان الرقيق الرحيم عيسى بن مريم يَستحيل أن يسلك هذا المسلك أو يُرسل هذه الشتائم! لكنهم اليهود الذين تخصَّصوا في تجريح الأنبياء وإهانة الشعوب! ومِن ثَمَّ نفهم قول القرآن فيهم: (أُولئكَ الذينَ حَبِطَتْ أعْمالُهمْ في الدنيا والآخِرَةِ ومَا لهمْ مِن نَاصِرينَ) .
أيَكفي في مُعاقبة بني إسرائيل أن يُطرَدوا مِن فلسطين؟
لا، إن اللهَ عزَلهم نهائيًّا عن القيادة الدينية التي كانت لهم، وحَرَمَهُمْ مِن الوحْي وشرف إبلاغه، واصطفى الأمة العربية لتقوم بهذه الأمانة، وكانت ليلةُ الإسراء والمِعراج التصديقَ الحاسِم لهذا التحوُّل، فقد انتقلت الرسالة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، وأصبحت الأمة العربية لا العِبْرية هي الوارثة لهدايات السماء! ونهض الإسلام بالعرب نهضةً رائعة، وجعل منهم حَمَلَةَ حضارةٍ زاهية، وفُوجئ العالَم بالأمة التي لم تعرف إلا رَعْيَ الغنم ونَقْلَ السلع تتلو مِن كتابها أصحَّ العقائد وأحْكَمَ الشرائع وأشْرَفَ التقاليد.
كان دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّة يَصِفُ نفسَه وقَومَه وعلاقَة العرب بعضهم ببعض فيقول:
يُغَارُ علينَا واتِرِينَ فَيُشْتَفَى بنا إن أصبنا أو نَغيرُ على وِتْرِ
قسَمنا بذاك الدهرَ شَطرينِ بيننا فما يَنقضِي إلا ونحنُ على شَطْرِ