ومِن المؤرخين مَن يرى اليهود مسئولين عمَّا نزل بهم من آلام، فأَثَرَتُهُمْ الشديدة، وشرُّههم في حُبِّ المال، وقِلَّةُ اكتراثهم بقضايَا الشعوب التي عاشوا بين ظَهرانَيها ـ كل ذلك جعل القلوب تنطوي على بُغضهم وقد كان"هتلر"الحلقة الأخيرة في سِلسلةٍ طويلة مِن الحكام الذين أذَلُّوهم في طول أوربا وعرْضها.
ومَرَّتِ السنون ثقيلةً طويلة، وظهرت الخلائق المَستورة، أو نبتت ونَضِجَت البذور الكامنة! كان المسلمون يَغِطُّونَ في نوم عميق، وكانت الدنيا مِن حولهم تتحرك بحقد مَشبوب وتُطالب بثارات قديمة.
كان يَحلو للمسلمين أن يتحدثوا عن الرحلة الجويَّة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى وسِدْرة المنتهى! ولا بأس أن يقولوا شِعْرًا ونثْرًا! أما الدرس الواعي للأمم التي توارثت فلسطينَ وأسرارَ ازدهارها واندثارها فقلَّما يُفكرون في ذلك، وربما لا يَخطِر لهم ببالٍ أن هذه الأمم تُفكر في العودة وتُحسن استغلال الفرص.
فلمَّا جاء العصر الحديث انكشف الغِطاء عن مُفارقات مذهلة، انكشف عن تعصُّبٍ يهوديٍّ شديد النبْض، وعن تأييدٍ حارٍّ له مِن رجال الكنيسة وأغلب السَّاسَة أمَّا العرب فقد قيل لهم: احْلُمُوا بإنسانية عامَّة مُتجردة عن الهوى، نُؤازركم في المَحافل الدولية ونَعدل بينكم وبين خُصومكم!
واستكان النُّوَّامُ للأحلام، فما صَحَوا إلا على المذابح تَحْصُدهم رجالًا ونساء، والتسميم يجتاح الطلاب والطالبات، والغيوم تسُدُّ الآفاق كلها أمام مُستقبل معقول.
ما الذي حدث؟
نَدَعُ الجواب لغيرنا، ندَعُه لخُصومنا ونتدبَّرُ ما يقولون:
كَتبَ"حاييم وايزمان"في مذكراته يقول لقومه: تَحْسبون أن لُورد"بلفور"كان يُحابينا عندما مَنَحَنَا الوعد بإنشاء وطنٍ قوميٍّ في فلسطين؟ كلَّا، إن الرجل كان يَستجيب لعاطفةٍ دِينيةٍ يتجاوب بها مع تعاليم العهد القديم!