والواقع أن القرآن الكريم في سياق تحديده للقِبْلة قال للعرب في جلاء: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عليكمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143) والآية تُوضح الوظيفة التي اختارها القدَر لأُمتنا، فإن الله اختار محمدًا ليَحمل أماناتِ الوحي وليكون بسِيرته وسُنته أُسوةً حسنة، وقد تلقَّى العرب ذلك منه ليُعلِّموا الناس كما تعلَّموا وليَهدُوهم كما اهتَدَوا، أو ليَكونوا أساتذةً للعالم كما كان محمدٌ أستاذًا لهم! تلك وَظِيفَتُهم التي رفعهم الله إليها والتي لابدَّ مِن حسابهم عليها.
والشهادة على الناس مَنزلة فوق التبليغ العاديّ، قد يكون المرءُ شاهدًا في قضيةٍ لا علاقةَ له بوَقائعها، كل دوره فيها أنه يَقول الحق، فهل هذا دور الأمة العربية في تاريخ البشرية؟ كلَّا ربما تَحوَّل الشاهد إلى مُتَّهَمٍ إذا تبيَّن مِن التحقيق أن له أصابعَ في وُقوع الجريمة!
والعرب منذُ حَمَلُوا رسالةَ الإسلام وجَبَ عليهم أن يَسْتنيروا بها، وأن يَرفعوا مَنَارها، وأن يَسْتَطِبُّوا بأَدْوِيَتِها، ويُعالِجوا عِلَلَ العالَم بدوائها، فمسئوليتهم مُضاعفة؛ الرسول أمام الله يَشهد بأنه علَّمهم مِن جَهالة وأقامَهم مِن عِوَجٍ، وهم أمام الله كذلك مُطالَبون بالشهادة على سُكان الأرض أنهم بَلَّغُوهم الوحْيَ الأعلَى، وقدَّموا من أنفسهم نماذجَ عمليةً للتقوى والإصلاح والإنصاف!
تُرَى هل قام العرب بهذه الأمانات؟
إن رباط العُروبة بالإسلام وَثِيقٌ، وهذا الرباط وحده هو الذي يَجعل العرب أُمَّةً قائدةً رائدة، فإذا وَهَتْ صِلَتُها به فهي تَخُون أساسَ وُجودها، وهي ستتحوَّل حتْمًا مِن رأسٍ إلى ذَنَبٍ! أو مِن أمة تَدفَع غيرَها نحو الخير إلى أمة يُدحرِجها الآخرون إلى الشَّرِّ أو إلى الهاوية!