والأُسَرُ الشريفة لها تقليدٌ عجيب ـ أعني الأُسَرَ التي تدَّعي الانتساب إلى البيت النبويِّ ـ فالمرأة تموت عانِسًا بائسةً إذا لم يَجِئْها الكُفْءُ مِن الأشراف، أمَّا الرجل فلهُ حقُّ الزواج مِن الإنكليز والأمريكان. ويظهر أن بنات العمِّ سام أو العم جُون لهنَّ شرفٌ يُضارع شرفَه، أما النساء اللاتي نُكِبْنَ بالدم الشريف فلا كُفءَ لهنَّ على المدى البعيد إلا الموت.
وروى البخاري عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ قالت: كُنَّا نغزو مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنَسقي القوم ونخدمهم ونرُدُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة.
ويبدو أن هذا التقليد كان قصير العمر جدًّا، فاستخفَى في أيام الحرب والسلم على السواء. وتعتمد المُستشفيات في العالَم الإسلامي اليوم على المُمرضات الأجانب، وإذا كان النساء قد مُنِعْنَ المساجد أفكان يُؤذَنُ لهنَّ بالذهاب إلى مَيادين القتال؟
ولا أُريد أن يَفهم غِرٌّ أني راغب في نقل مَعالِم الحضارة الغربية إلى مجتمعنا، فهذه الحضارة تجمع خليطًا من التقاليد الحسنة والتقاليد الرديئة، وإنما أُريد إعمال النصوص المكتوبة أو المفهومة مِن سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسلفه الأول، وهذا مَسلك يَعجِز عنه أصحاب الخيال والشذوذ.
لقد رأيتُ في قضية المرأة أحاديثَ موضوعة وأحاديثَ واهية صحَّحها الغرض المدخول، وأحاديثَ صحيحة حُرِّفَت عن مواضعها، واستغربتُ وأنا أقرأ لبعض الفقهاء أن صلاة المرأة في بيتها أفضل مِن صلاتها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي!
وقلت: لو كان الأمر كذلك فلِمَ أشرَفَ الرسول على تنظيم صُفوفهنَّ في مسجده؟ ولِمَ جعَل لهنَّ بابًا خاصًّا بهنَّ؟ ولمَ ذهب إليهنَّ فعلَّمَهنَّ وحثَّهنَّ على الصدَقة؟ ولمَ حذَّر"البعض"أن يحرص على القُرب مِن صُفوفهنَّ؟