الواقع أن المرأة أولَى بها أن تُصليَ في البيت إذا كانت مسئولية التغذية أو التربية تفرض عليها ذلك، أما إذا تخفَّفت مِن هذه الواجبات لسببٍ أو لآخر فلا يَمنعها بشرٌ من الذهاب إلى المسجد ليْلًا أو نهارًا. أي إن صلاة الجماعة ليست مُؤكَّدة في حقِّها كالرجال، وليس يُفيد ذلك فَرْضَ حصارٍ قاتل على حياتها العلمية والعِبادية وتحويلها إلى مسْخٍ لا مكان له في دُنيا ولا دِين، كما انتهت بذلك الأوضاع الاجتماعية في العالَم الإسلاميّ.
عندما فتح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكة خرج النساء لمُبايعته وتلقِّي تعاليم الإسلام منه، ولم يَحتبِسْنَ في بيوتهنَّ قُعودًا عن هذا الغرض. أي إن علاقة المرأة بالحياة العامة كانت قائمةً، وكانت مِن الناحية العملية تَسير في خطٍّ يُحاذي علاقة الرجل ولا يتطابق معه.
وقبل فتح مكة اهتَدَت نساء كثيراتٌ إلى الإسلام ورفَضْنَ البقاء مع أزواجهنَّ الكفار فقرَّرْنَ الهجرة إلى المدينة. وحدث ذلك في وقت كان المسلمون فيه مُلزَمِين بردِّ كل مَن يَلحَق بهم من مكة فارًّا بدينه؛ تنفيذًا لمُعاهدة الحديبية، ولكن القرآن نزل يَستثني النساء مِن ذلك الحكم فقال تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمنُوا إذا جاءَكمُ المُؤمناتُ مُهاجراتٌ فامْتَحِنُوهنَّ اللهُ أعلمُ بإيمانهنَّ فإن عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمناتٌ فلا تَرْجِعُوهنَّ إلى الكفَّارِ) (الممتحنة: 10) وورد أن عمر بن الخطاب كان في ذلك الامتحان يُحلِّف المرأة المُهاجرة؛ بالله ما خرَجَتْ رغبةً بأرضٍ عن أرضٍ! وباللهِ ما خرَجَتْ مِن بُغضِ زوْج! وبالله ما خرَجَت التِماسَ دُنيا! وبالله ما خرَجَت إلا حُبًّا لله ورسوله.
ماذا ترى في هذا القسم وفيمَن أدَّتْهُ؟ ألا ترى شخصيةً مُستقلة واضحة الوِجْهة مُحترَمة المَسلك، تحارب وتُسالم، وتُقيم وتُسافر وَفْقَ ضَميرها وتفكيرها؟