ما لا نصَّ في الكتاب على حِلِّهِ أو حُرمته قسمان: طيب حلال وخبيث حرام، وهل العِبْرة في التمييز بينهما ذوقُ أصحاب الطباع السليمة أو يعمل كل أُناس بحسب ذوقهم؟ كل من الوجهين مُحتَمل، والموافق لحكمة التحريم الثاني، وهو أنه يَحْرُم على كل أحد أن يأكل ما تَستخبثه نفسُه وتَعَافُه؛ لأنه يضره ولا يصلُح لتغذيته، ولذلك قال بعض الحكماء: ما أكَلْتَه وأنت تشتهيه فقد أكَلْتَه، وما أكَلْتَه وأنت لا تَشتهيه فقد أكَلَكَ.
ونحن نرى أن الاستعانة بعلم"التغذية"وما وصل إليه الأخصائيون في علوم الأحياء مَطلوبة، ولعل ذلك يُميز الخبيث من الطيب. على أننا نرفض كل احتيالٍ على إهمال النص، فإن الإسلام حرَّم الخنزير ـ مثلًا ـ لو ساخَنَهُ وحمَل لحمه لمصادر البلاء! فإذا جاء اليومَ مَن يقول: إنه ربَّى خنازيرَ مُعيَّنة على مراعٍ حَسَنةٍ واتَّخَذ ضماناتٍ لإنقاء لحمها من مصادر العِلل، لم نَقْبل قوله ولم نَستبِحْ الحرام، إن ذلك يُشبه ما تَزعُمه شركات التبغ من أن"الفِلْتر"الذي تضعه في سجائرها يمنع القَطِران من تلويث الرئة. ما أغنانا عن هذا كله، وفي الحلال الكثير المَيْسور ما يُغني عن هذه الحِيَلِ.
ولا يجوز تعذيب الحيوان عند ذبحه، وأفضل طُرُق التذكية ما يُخفِّف على الحيوان خُروجَ رُوحه، وقد رأى فُقهاؤنا القدامَى أن يكون الذبح بقَطع الحُلقومِ والمَرِيءِ والوَدَجَينِ ـ عِرْقانِ على صفحتَي العُنق ـ أو أكثر ذلك، لتتمَّ تنقية البدَن مِن الدم الكائن فيه! يقول صاحب المنار:"إن هذا لَتَحَكُّمٌ في الطبِّ والشرع بغير بيِّنة، ولو كان الأمر كذلك لمَا أُحِلَّ الصيدُ الذي يأتي به الجارحُ ميْتًا"
ثم يقول: