إن خسائرَ جسيمةً أصابت الدعوة الإسلامية من هذه القيادات الذاهلة. ولا يُقبَل في هذا المجال اعتذارٌ بحُسن النِّيَّة، ولا تنجو الأمم المُسترسِلة وراء هذه القيادات. وإذا كان الجهل بقوانين البشر لا يُنجِّي من اللائمة فإن الجهل بسُنن القدر أسوأُ عُقبَى، ومن هنا رأينا الحسابَ شديدًا للمنهزِمين في أُحد! قيل لهم دون مُوارَبة لمَّا سَألوا عن سِرِّ هزيمتهم: (قُل هُوَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكمْ) (آل عمران: 165) .
ويُوجد عاملون في الحقل الإسلامي يظنون أنفسهم فوق المُساءلة، لعل ذلك ببركة الوضوء والصلاة. والذي أراه أن القوم يُعانون عِللًا نفسية، وأنه لا بركة هنالك، بل فوضى.
ولْأَترُكْ هذا التعليق العابر إلى أخطاءٍ لها جذور في ماضينا الطويل؛ كان الأدباء قديمًا يَلتزمون السجع في مقالاتهم، ومرَّت بالأدب العربي عصور احْتُبِس فيها داخل هذه القيود اللفظيَّة، والتزامُ السجع يتمُّ على حساب المعنى غالبًا، فلن تجد فكرًا عميقًا ولا أداء مناسبًا سهلًا ولا مُعالجة خصبة ثَرَّةً لمختلف القضايا والموضوعات، بل إن السجعة قد تَخلُق المعنى، ومن الطرائف في هذا أن أحد الوُلاة قال للقاضي: أيها القاضي بقُمْ، قد عزلناك فقُمْ! فقال الرجل المَعزول: والله ما عزَلتَني ولكن عزَلَتْنِي القافية.
ولم يأخذ الأدب العربي طريقه صُعُدًا إلا بعد ما تَخلَّصَ من القافية أو السجع.
ما حدث في ميدان الأدب حدث مثله في ميدان الدِّين، فقد مرَّت بالمسلمين عصورٌ طوال أصبح فيها فقهُ الفروع عمودَ الدين وسنامَه وذِروةَ أمره! أو أصبح البحث في صور العبادات وأشكالها هو الشغلَ الشاغلَ للخاصة والعامة. وتَصوَّرَ الدَّهْماءُ أن إتقان المراسم شارةُ الكمال وسُلَّمُ الارتقاء ووسيلةُ القبول عند الله.