فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 566

وعلم الفقه جزءٌ له مكانته في الثقافة الإسلامية، لكن مكانته تجيء بعد علوم العقيدة والأخلاق. وإتقان مذهبٍ فقهيٍّ في الفروع العملية شيء حسن، ولكن هذا الإتقان لا يُغني قليلًا ولا كثيرًا عن مِهاد الأخلاق والعقائد الذي لابد منه أوَّلًا وآخِرًا.

ربما اختلف الفقهاء؛ أيَقرأ المُصلِّي وراء إمامه أم لا؟ بيد أنهم متفقون على أن الخُشوع روح الصلاة، وأن مَن فقَد هذا الخُشوعَ فقَدَت صلاتُه قيمتها سواء قرَأ أم صمَتَ.

ومع ذلك فقد استَفحَلَ الغُلُوُّ في قيمة أفعال الصلاة استفحالًا مزَّق شمل الأمة، فإذا الصلاة الواحدة تنعقد لها أربع جماعات في الأزهر الشريف ـ واحدةٌ للأحناف وثانيةٌ للشافعية وثالثةٌ للمالكية ورابعةٌ للحنابلة ـ لأن صلاةَ مُقلِّد لا تصلح وراء مُقلِّد آخر‍! وكان ذلك الانقسام يقع في الحرَم المكيِّ نفسِه، حتى أدرَكَت المسلمين رحمةُ الله ففَضَّت هذه الجماعاتِ كلَّها وصلَّى الكلُّ وراء إمامٍ واحد.

إن توسيع المساحة التي يعمل فيها فقه الفروع تَمّ على حساب تضييق المساحة التي تعمل فيها التربية الدينية، وتتحوَّل فيها العقيدة إلى قُوًى روحية ومَلَكَات نفسية.

وتَصوَّرْ رجلًا مُنِح جنيهًا ليعيش به فاشترى بنصفه مِياهًا غازيّة ومَعدِنية وبالنصف الباقي لديه سُكَّرًا وشايًا، ووجَّه ما بَقيَ بعدئذ للخُبز واللحم والبقول الفواكه... الخ. إن هذا الرجل سيقتله فقرُ الدم يومًا.

وقد لاحظت أن مُصابَنا شديد في الأنشطة العقلية والخُلُقية بسبب هذا العِوَج، وحَسِب كثير من المتدينين أن التشبُّث ببعض المراسم العبادية الثانوية يُغطي هذا التصوُّر! وهيهات. وكنتُ أرجو أن تَنْقَهَ الجماعاتُ الإسلامية من هذا الاعتلال، فساءني أن بعضَها غَرِقَ إلى الأذقان في البحوث الفقهية وما تَشعَّبَ عنها مِن خلاف وما بُنيَ عليها مِن أوهام كبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت