فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 566

إن حُكم تحريم الذهب على النساء كما يرى البعض يُساوي ـ وقد يَرجَحُ ـ تحريرَ أفغانستان مِن الشيوعية! وضبطُ الفُرجة المستحَبّة بين قدَمَي المصلِّي يكاد يبلُغ مجلس الأمن! وتحليلُ الموسيقى يُشبه الكفر أو دونه الكفرُ!

لقد ذكَّرني هذا الخلل الرديء بما كنت أقرأ في كتب التاريخ؛ قال الراوي: دخل فلان على الخليفة وتحدث معه بأغلظ القول، قال: فضَمَمتُ عليَّ ثيابي مَخافة أن يُصيبَني دمُه!

إنني عجبت لهذه المُخالفة، مَصْرَعُ رجل شجاع ويُتْمُ أولاده ليس هو المحذورَ، المحذورُ أن تَبتلَّ ملابس الراوي بدم القتيل! لأن الدم نجِس أم لأن ثمن غَسْله باهظ! إن توارُثَ هذا الفكر سُقوطٌ عقليٌّ وخُلقيٌّ معًا، وأهل هذا الفكر لا يصلُحون لشيء في دنيا الناس.

إنني ميَّال إلى إغلاق باب الاجتهاد في فقه العبادات وإبقاء حق الاختيار، أو ما يُسمَّى بالاجتهاد الانتقائيِّ؛ نأخذ ما تدعو إليه الحاجة ونَدَعُ ما عدَاه من الثروة الطائلة التي آلَتْ إلينا.

والذي يدفعني إلى ذلك أن وُجوهَ الرأي في كثير من القضايا تكاد تستوعب الصور العقلية أو الشيءَ وضدَّه معًا، خُذْ مثلًا إمامةَ المرأة في الصلاة؛ يرفضها فقهاءُ مطلقًا ويُجيزها البعض مطلقًا، ويرى الشافعي جوازَها للنساء خاصة.

ولَمْسُ المرأة؛ ينقُض الوضوء مُطلقًا، ولا ينقُضه بَتَّةً، وقال مالك: النقْضُ وعدَمُه مَقرون بطلب اللذَّة من اللَّامِس.

وإمامة الفاسق؛ ردَّها بعض الفقهاء بإطلاق، وأجازها قومٌ بإطلاق، وفصَّل آخرون متسائلين: هل فِسْقُه بتأويل أم بتبجُّح؟ هل فسقُه قطعي أم ظنِّيّ؟ ومع تغير الجواب يتغير الحكم.

ليت شِعري ما نصنع نحن بعد ذلك إلا المُوازنة والترجيح؟ وإذا انتهى أحدٌ إلى رأي فهل له إلزامُ الآخرين به ومُؤاخذتُهم على تَرْكِه لا؟ وقبل ذلك كله وبعده هل هذه الأحكام تسبق في الترتيب إيحاءاتِ العقيدة ومُقرراتِ الأخلاق وضوابطَ التربية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت