لا، إن الذي يَكرَهُ مسلمًا لأنه لا يضع يديه تحت رقبته في الصلاة، أو لأنه يقنُت في الفجر مثَلًا، رجل مُنحرف ضعيف الخُلُق، وإتقانُه للصلاة على النحو الذي يَألَف لا يَمحو عنه هذه الوَصْمةَ، فالخطأُ الفقهيُّ مأجور أما الخطأُ الخُلُقيُّ فهو إثْم، وهذه الأخطاء الخُلُقية من وراء الفتوق الرهيبة التي تسلَّل منها الغزو الاستعماري وفَتَك بنا.
أحسستُ غضبًا شديدًا وأنا أسمع مُفتيًا في إحدى الإذاعات يُجيب عن سؤال وجه إليه: هل يجوز إخراج زكاة الفطر نُقودًا؟ قال المفتي: لا يجوز، ومَن أخرَجَها نقدًا وجَب عليه أن يُعيدَ إخراجَها شعيرًا أو قمحًا. واستتلَى: إن هذا التصرُّف بدعة، ومَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ عليه.
وخُيِّلَ إليَّ من غضب المفتي أنه لو وجَد أبا حنيفة لأمسَكَ بخَنَاقه وأخمَدَ أنفاسَه؛ لأن هذا الإمام يرى إخراج الزكاة مما هو أنفع للفقراء نقدًا كان أم حُبوبًا. وأغلب المسلمين يتَّبع هذا الرأي، فلماذا نُحرِجُهم؟ ولماذا نرى فَهْمَنا هو وحده الدين؟ لِمَ ضِيق الأفُق وقَطْعُ ما أمَر الله به أن يُوصل؟ إن المتنطِّعين في نطاق الأحكام الفقهية المَحدودة يُسيئون أكثر ممَّا يُحسنون!
وحدث في إحدى الكليات أن أقبَلَ العميد على جَمْع من الطلاب كانوا جُلوسًا على بعض مقاعد الحديقة، وخَفَّ الكلُّ إلى استقبال أُستاذهم وُقوفًا، إلا واحدًا ظلَّ على كرسيه لم يتحرك، زاعمًا أن ما فعَلَ هو السُّنّة!
قلت: إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للأوس لما جاء زعيمهم سعد بن معاذ: قُوموا إلى سيِّدكم! والطلاب الذين قاموا مُرَحِّبين بعميدهم أقربُ إلى الفطْرة والسُّنة والأدب من هذا الطالب، وهو يُسيء إلى الإسلام بهذا المسلك.
قال لي أحدُهم: إنه طالب مُحافظ يُربي لحيته!
قلت: تربيةُ اللحية من سُنَن الفطرة، وتربيةُ النفس مِن أركان الإيمان، وماذا عليه لو أحسَنَ الشكْلَ والموضوعَ؟