فهرس الكتاب

الصفحة 525 من 566

على أيةِ حالٍ فإن الإسلام في أول حرب خاضها خرج على الدنيا بمبادئَ أزكَى وأرَقَّ في معاملة الأسرى، فنزل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأسرى بعد معركة بدر: (يا أيُّها النبيُّ قُل لِمَن في أيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إن يَعْلَمِ اللهُ في قُلوبِكمْ خَيْرًا يُؤتِكُمْ خَيْرًا ممَّا أُخِذَ مِنكم ويَغفرْ لكم واللهُ غفورٌ رحيمٌ. وإن يُريدُوا خِيانَتَكَ فقد خَانُوا اللهَ مِن قبلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُم) (الأنفال: 70،71) والخيانة التي تُشير إليها الآية موقفُ المشركين مِن قضية الحريات الدينية والإنسانية كلها، فقد كان مَوقفًا غبيًّا مُتعنتًا مَليئًا بالكبرياء والقسوة، أكان هذا موقف عَبَدَةِ الأوثان وحدهم؟

كلَّا، فإن أهل الكتاب كانوا أخَسَّ وأظلَمَ، يقول الله تعالى: (ولَئِنْ أَتَيْتَ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بكُلِّ آيةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) (البقرة: 145) .

لِيَكُنْ، فليس لأحدٍ أن يُرغِمَهم على اتِّباع. لكنهم لم يَكتفوا بهذا، بل لجأوا إلى صَدِّ الأتباع وفِتنةِ الضعفاء وقيلَ لهم: (قُل يا أهلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وأنتم شُهدَاءُ ومَا اللهُ بِغَافِلٍ عمَّا تَعْملُونَ) (آل عمران: 99) .

ولو أن الكُرْهَ للإسلامِ كان عواطفَ فَرْدٍ أحمقَ أو سلوكَ نَفَرٍ مُتَعَصِّبِينَ لَهَانَ الخطْبُ، لقد تحوَّل إلى حرب ساخنة يَصْلاَها دِينٌ عَدَّهُ خُصومُه خارجًا على القانون ولم يَرَوا الاعترافَ به أبدًا،

ولْننظُرْ إلى صدرِ تاريخنا القديم ولْنَتساءلْ:

متى اعترفت الأديان الأخرى بحقِّ الحياة للإسلام وحقِّ أتباعه في إقامة مُجتمع له؟

لا مَجوسُ فارس، ولا يهودُ المستعمرات المُقاومة في جزيرة العرب، ولا الرومانُ الذين اعتنقوا النصرانية ليَجعلوا منها ذريعةَ استعمارٍ أسودَ أكَلَ الشامَ ومصرَ وغيرَهما طول خمسة قرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت