ومِن المشكلات التي يشكو العالَم منها الفقرُ المُتوطِّن في بيئات كثيرةٍ، وأُحِبُّ أولًا أن أُحدِّد المفاهيم حتى تَنضبط الأحكام، أعرف مُوظَّفًا في وزارة العدل يَقُوت أسرةً كبيرة، عُرِضَتْ عليه يومًا مائةُ جنيهٍ كي يدَعَ أحدَ الخُصوم يستولي على وثيقةٍ تُفيده في ملفٍّ تحت يده! وأبَى الموظف الشريف، مع أنه كان يَبيت طاويًا ليُعشِّيَ أولادَه، وكان بحاجة إلى جنيهٍ واحد لا إلى مائة، هذا الفقير وأمثاله هم الذين قال الدِّين عنهم إنهم سوادُ أهل الجنة.
وأعرف أن الزعيم"محمد فريد"فقَدَ ما كان يملك من أرض في سبيل أسفاره كي يَعرض شكوَى وطنِه من الاحتلال الإنجليزي!
هذا فقْرٌ يذكرنا بالسابقين الأولين مِن المُهاجرين والأنصار الذين ضحُّوا بما لديهم في سبيل عقائدهم.
وأعرف رؤساءَ كانوا يملكون القليل أو ما كانوا يملكون شيئًا! فلمَّا وُلُّوا الحُكمَ فاضت أنهارُه عليهم سمْنًا وعسَلًا، فأضحَوا هم وأقرباؤهم وأصدقاؤهم ومَن يَلُوذُ بهم أصحابَ جاهٍ عريض ومالٍ مَمدود!
هؤلاء الأغنياء من سُحْت هم الذين قال الدين عنهم إنهم جمهور النار، وبئس القرار.
لكنّ هناك فَقْرًا نشأ عن آفات عضوية في الكيان الإنسانيّ والمَلَكات التي زُوِّدَ بها أصْلًا، وهو الفقر الذي ينتشر في الأقطار المُتخلِّفة أو في أرجاء العالَم الثالث، إنه فقْرُ تعوُّدٍ وصَعلَكة، وهو فقر يُنكره الدِّين، ويُعَدُّ أصحابه آثمِين أو عجَزة مَلُومين!
إن الله ـ سبحانه ـ يَسَّرَ كل ما في الأرض مِن خير للإنسان، ومكَّنه من ارتقائه، ولم يَطلب منه بإزاء ذلك إلا أن يعرف حقَّه ويشكر فضله، فإذا جاء امرؤٌ أو جاءت شُعوب وتجاهلت هذا البذل، ورأت أن تعيش عاريةً بدل أن تَكتسيَ! أو جائعةً بدل أن تُطْعَمَ، فهي شُعوب مُجرِمة!