شكَا لي شابٌّ ناشئ موهوب وُعُورةَ الطريق أمامه، فقلت له يائسًا: امْضِ بمواهبك إلى الأمام دون انتظار عون من أحد، بل توقَّعِ الكيْدَ والصدَّ؛ لأن البيئات التي نعيش فيها لا تُرحِّب بالمَوهوبين، ولا تُؤتي كل ذي فضْلٍ فضله، لا كارهة أو مَغلوبة.
أغلب الناس يعيش داخل قوقعة من نفسه ومآربِه، وقلَّما يَلتفت إلى الآخرين ليُسْديَ عونًا أو يقدمَ يدًا. والطريقة التي يَدرُسون بها الدين لا تُعين على زكاة النفس وسنائها، فالأجربُ عندما يرتدي ثوبًا غاليًا جميلًا قد يستُر علَّته حينًا، بيد أن ذلك لا يَشفي سِقامه، هكذا نرى الذين يُؤدُّون مراسم العبادات ولا يُهذبون أنفسهم.
الفارق بين الإنسان والحيوان أن الحيوان يتحرك بدوافع حاجاته الخاصة ولا يُحسُّ إلا ذاته، أما الإنسان فالمَفروض أن يحيا في مجتمع له ضوابطه وآدابه، وعلى المرء أن يُحسَّ بنفسه وبغيره معًا. والصورة الدنيا للسلوك البشريّ تظهر في أفعالِ المُجرِمين الذين لا يهتمون إلا بما يشتهون، أما صور الرُّقيِّ المنشود فتتضح كلما اختفت الأنانية، ونما الإحساس بالغير والتقدير لحقوقه.
وقد أقام الإسلام شعار"في سبيل الله"ليخلع الإنسانَ مِن أثَرَتِهِ ويدفعَه إلى ربه! فالإنفاق ينبغي أن يكون في سبيل الله، والجهاد ينبغي أن يكون في سبيل الله، والسعيُ في هذا الدنيا ينبغي أن يكون في سبيل الله، بل المَحْيا والممات جميعًا في سبيل الله.
وهذا الشعار يعني في النشاط العام أمرينِ؛ ابتغاء وجه الله وتحقيق المصلحة العامة. وفُقهاؤنا يَرَونَ أن حقَّ الجماعة داخلٌ في كلِّ ما هو لله، إذ الإسلام يَمزُج بين الدين والدولة، والعبادات والمُعاملات.
والذي حدث في هذا العصر أن المقاييس الأخلاقية في الغرب غالت في حقِّ المجتمع، وقهرت به النوازع الشخصية، وجعلت"المُواطن"يرعى وطنه ومصلحة قومه ورِفْعةَ أُمته... إلى آخره، وضبطت بذلك أنانيته الخاصة.