الأول: تدبر ما يُتلَى من القرآن في الصلوات الجهرية وخطب الجمعة. والقرآن كتاب يتحدث في العقائد والعبادات والأخلاق والقوانين والشئون المحلية والدولية ويصف الكون ويسرد التواريخ مثلما يتحدث عن الله وصفاته وحقوقه سواء بسواء.
وقد كان ذلك المصدر الأول للمعرفة عند السلف، إذ أن سليقتهم اللغوية مكَّنتهم من الاستمداد المباشر من آيات الله، والحق أن الذين أنصتوا للرسول الكريم وهو يتلو كتابه بلغوا شَأْوًا لا يُضارَع من السمو الفكري والتربوي، فليس عجبًا أن ينطلقوا مشاعلَ هدًى في أرجاء الأرض وينقلوها من الظلمات إلى النور.
أما الطريق الثاني لتثقيف الأمة فهو الدروس التي انتظمت في ساحات المساجد، تتناول جميع العلوم، بل إن الشعر كان يُلْقَى في المسجد، وكان الصحابة يستمعون إلى حسان بن ثابت وهو ينشد قصائده السياسية!
ومعروف أن المدارس الفقهية الكبرى كانت في المساجد وأن الأئمة العظام كانوا يَلقَوْنَ تلامذتَهم فيها، والفقه الإسلامي يحتوي على كل ما يهم البشرية من المهد إلى اللحد.
ولما كنت مديرًا للمساجد وضعتُ لأيام الأسبوع الستة غير الجمعة ستة دروس في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والعقيدة والأخلاق، أما يوم الجمعة فحسبه الخطبة، وأعددت لذلك كراسات تحضير تُراجع بعناية.
بل وضعتُ لتعمير سيناء خطة تقوم على إنشاء مستوطنات، أساسها ثلاثة رجال:
إمام مسجد، ومهندس زراعة، وضابط جيش، وتركتُ اختيار الأماكن للمتخصصين.
وكان رأيي أن تُبنَى المساجد في المدُن والقرى على أساس مسجد واحد كبير لكل ثلاثة آلاف من السكان.
إن المسجد كان القلعة الروحية التي ينطلق منها المجاهدون لمقاومة كل غزو، وقد قاوم الجامع الأزهر الفرنسيين منذ قرنين حتى احتلوه بخيلهم، وقاوم الإنجليزَ أوائل هذا القرن، وكان يستقبل الأحرار من أقباط مصر الذين يحاربون الاستعمار ويؤازرون إخوانهم المسلمين.