قلتُ: لعلَّكَ لو قرأتَ الآية التي تَلِيها مباشرة لعلمتَ أن هذه الحرب لم تكن عدوانًا بل ردًّا للعدوان وكسرًا للطغيان!
أليس يقول الله ـ سبحانه ـ في حفز الهمم لخوض هذه الحرب: (وما لكم لا تُقاتِلون في سبيلِ اللهِ والمُستَضعَفِين من الرجالِ والنساءِ والوِلدانِ الذين يقولون ربَّنا أخرِجْنا من هذه القريةِ الظالمِ أهلُها واجعل لنا من لدُنك وليًّا واجعل لنا من لدُنك نصيرًا) ؟ (النساء: 75) .
إن هذا القتال مِن أشرف ما دار على سطح الأرض بالنسبة إلى جمهور المسلمين، فكيف يُوصَف بأنه قتال لم يرتبط بقيد معين؟
فصمَتَ قليلًا ثم قال: خُذْ آية أخرى، قال تعالى: (فإذا لقِيتم الذين كفروا فضَرْبَ الرقابِ حتى إذا أَثخَنتُموهم فشُدُّوا الوَثاقَ..) (محمد: 4) .
قلت: هذه آية تصف ما يجب عند التحام الرجال في المعركة، ولا تتحدث عن سبب القتال، ومع ذلك فلو سلَّمنا بوجهة نظرك فإن أول السورة التي ذُكرَت فيها الآية يحدد من هو العدو الذي نحاربه!
أول هذه السورة: (الذين كفَرُوا وصَدُّوا عن سبيلِ اللهِ أضَلَّ أعمالَهم) (محمد: 1) والصد عن سبيل الله يعني تعويق الدعوة عن المضي في مسارها، وإيذاء المؤمنين الذين تنشرح صدورهم بها، وهذا عدوان حقيقي.
قال: خذ آية أخرى، والآيات كثيرة: (انفِروا خِفَافًا وثِقَالًا وجاهِدوا بأموالِكم وأنفسِكم في سبيلِ اللهِ) (التوبة: 41)
قلت: هذه الآية بين عشَرات من الآيات التي نزلت في غزوة تبوك تَسْتَنْفِر المؤمنين كي يقاتلوا الروم، ويَحُدُّوا من طغيان النصرانية شمال جزيرة العرب، ومعروف أن الرومان قتلوا بعض مَن أسلم في مدينة"معان"ونشروا الرعب في بقاع واسعة كان عملاؤهم يحكمونها.
وقد حاول المسلمون أن يُوقفوا هذا التحدِّيَ، وأرسلوا جيشًا إلى"مؤتة"هزمه الرومان، وقُتل القوادُ الثلاثة الذين حاولوا الصمود به، ولم يجد المسلمون بُدًّا من الانسحاب، فعادوا إلى المدينة وقلوبهم كسيرة.