ومرج دابق هذا كان من المناطق العجيبة؛ حصلت فيه قتال ومعارك حاسمة بين الفرس واليونان، ثم معارك حاسمة بين الفرس والروم، ثم معارك حاسمة بين المسلمين والروم، ثم معارك حاسمة بين العثمانيين والمماليك، فهو منطقة معارك، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في فتن وملاحم آخر الزمان: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ) [1] ، فيكون القتال بين الروم والمسلمين في دابق قرب حلب.
فالمهم التقى إمبراطور الفرس واسمه (دارا) مع الإسكندر المقدوني في مرج دابق، فهُزم ملك الفرس وسحب عسكره إلى منطقة الرقة حتى يتجهز لمعركة أخرى، وكان المتوقَّع من الإسكندر المقدوني أن يتبعه ليحطم الجيش ثم يفتح فارس، ولكنه تركه وذهب احتلّ سواحل الشام وأخذ مصر، ولقّبه أهلها بالفرعون ورجع مرة أخرى إلى الشام، وأخذت معه هذه الرحلة عدّة سنوات، وبعدها غزا الفرس فأخذ فارس وإيران ثم أخذ كل هذه البلاد وبقي يتمدَّد حتى وصل أفغانستان حيث خسر أول المعارك في أفغانستان ثم رجع.
فهذه من الشواهد على أفغانستان أنه حتى الآن ما دخلت جيوش هنا إلا ابتُلعت؛ كل الناس الذين دخلوا هنا تعبوا جدًّا، ومنهم الإنجليز والروس واليونان ..
وعلى الهامش؛ في النظريات العسكرية يشرحون الآن لماذا فعل الإسكندر المقدوني هذا ولم يذهب مباشرة لاحتلال فارس؟ حتى تعرفوا أنّه كان في التاريخ عباقرة كبار، قالوا كان هناك أسطول فارسي قوي في البحر المتوسط فلو تبع الفرس فكان من الممكن أن يرجع الأسطول ويعمل إنزالًا في سواحل الشام فيقع هو بين القوة البحرية الفارسية على السواحل والقوة البرية الفارسية ..
ولهذا ذهب واحتلّ السواحل أولًا وترك الجيش الأساسي، فالأسطول بقي بلا مدد وبلا غذاء وبلا أكل سنة ونصفًا في البحر فاضطر أن يأتي للسواحل ويستسلم حتى يأكل ويشرب. فهو أمّن ظهره ثم بعد ذلك أخذ المناطق الأخرى. فكانت هناك عقليات عسكرية قديمة وحضارات.
المهم أن اليونان تقدّموا على فارس وأصبحوا هم الذين يحكموها، وكان لهم آثار كثيرة في الأردن وسوريا وبلاد الشام في المرحلة اليونانية، وحكموا هذه المناطق ومنها قرية عمان، كانت اسمها مدينة عمون.
وعلى الهامش عمان هذه من المدن التي صُنعت بسبب السياسة، كان عدد سكان عمان سنة 1920 م أي قبل سبعين سنة ألفين نسمة! فكانت قرية صغيرة ضائعة، ثم بعد ذلك بسبب هجرة سكان فلسطين صار عدد سكانها أكثر من نصف مليون بعد الدفعة الأولى من الهجرات سنة
(1) صحيح مسلم (2897) .