فلما قام النظام الدولي -كما حدّثتكم- بتتبُّع المنابع والتحكم بالحسابات والحوالات والقبض على الناس إلى آخره، جفَّت منابع التَّمويل فُضرب تجمُّع الناس، وإنما الملك بالأعوان وإنما الأعوان بالمال؛ إذا توفّر المال يجتمع الناس، وإذا لم يتوفَّر لا يجتمعون، فكيف ستجتمع الناس؟
فضُرب نظام التَّمويل، وضُرب نظام الأمن، وضُرب نظام الهرمية، وضُرب نظام الشورى، وضُرب نظام القيادات، إذًا ماذا بقي في هذا الهيكل حتى يستمر بعد عام 1990؟! عدا عن الفوضة الفكرية والمنهجية والبنية التي تحدَّثنا عنها، ناهيك عن بلاوي خرجت معنا مع المسار، فالتنظيمات كلها قائمة على عدم الاختصاص فوُضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب غالبًا.
ليس هناك نظام عقلي مؤسَّساتي لإدارة العمل؛ لأن النَّاس لا تحترم الحضارة ولا تحترم الفهم من ناحية، ولأن التنظيم سري، فالتنظيم السري لا يسمح بتوزيع الاختصاصات؛ لأن توزيع الاختصاصات يقتضي وجود إدارة ومجلس إدارة وأعوان وناس تجتمع وتنبثق منها القرارات وفيه راحة باتخاذ القرار. أما هذا هربان وهذا مخطوف وهذا خرج، فكيف سنعمل ضمن اختصاصات؟ فالأمر ليس بيدهم فقط، بل طبيعة العمل لا تسمح بوضع المؤسَّسات والاختصاص والأجهزة.
الآن ظهرت مشكلة في معظم التنظيمات وهي: اتكال العناصر على القيادة، يعني هو منتظر أن يقول له القائد ماذا يفعل، ولا يستطيع أن يقرّر؛ لأن التربية ليست تربية قيادات، وإنما التربية تربية إمَّعات، لأن العنصر الإمَّعة مطيع مفيد، تقول له: اذهب يمينًا فيذهب يمينًا، واذهب شمالًا فيذهب شمالًا، مثل غنم سهلة الرعاية، ترعى خمسة آلاف غنمة ولكن إذا هجم الذئب واشتغل النَّطح والهبش لا تنجو!، فإما أن يكون عندك قيادات صارمة جازمة مدرَّبة وبالتالي تشاركك في القرار وتعترض وتقف أمام عمر وتقول له:"لا سمع ولا طاعة حتى نعلم قصة الثوب"، وما هي قصة الثوب؟ وما هو دليلك؟ بحريَّة وأدب. وإما كل واحد يرفع رأسه ليعترض يُقال له: هل أنت أفهم من القيادة، وهل أنت أفهم من الشيوخ؟!
حتى كان الإخوة يتغنَّون أيام الجهاد في سوريا بعدما يأسوا من قيادة الإخوان، لما كنا في الأردن اخترع الشباب نشيدًا قالوا:"لا تفكّر لا تدبّر نحن أصحاب العقول". لأنهم اقترحوا فبهدلوهم، واقترحوا ما سمعوا منهم، فخلاص أنا لا أفكّر أنت لما تتَّخذ القرار بلّغني ماذا أفعل.
والصحوة كلها ابتُليت بهذه الإمّعيَّة، وتقريب الإمَّعة واستبعاد الذي يفكّر ويعترض ويُتعب، فخرجت عناصر تتَّكل على القيادات في كل شيء، فإذا قُتل القائد ليس هناك أحد مكانه، هذه