بداية الصراع {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} :
قابيل هو ابن آدم الذي قتل أخاه، وشعار هذا العمل كان: (لأقتلنك) ، قال تعالى: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [1] ، مهما تكن الروايات؛ سواء المذكورة في القرآن وهي الصحيحة وهي أن السبب أنهما قرَّبا قربانًا فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبَّل من الآخر، أو المذكور في بعض التفاسير كالجوزي وغيره، المهم أنه كان هناك سبب من الأسباب سوّل لأخ قتل أخيه، وهي أول جريمة قتل ارتُكبت في تاريخ البشر، أن يحمل السلاح ويقول لأخيه: (لأقتلنك) ، ومن ذلك الوقت وحتى الآن وشعار الكفر مع الإيمان: (لأقتلنك) ، وهذا يقتضي منا أن ننظر في التاريخ.
وأقول لكم اختصارًا، أن كل مشاكلنا الحالية هي من نفس نوع مشاكل الأنبياء الممتدَّة في التاريخ، وكل أساليب المؤمنين في الدفاع متشابهة، وكل أوامر الله -سبحانه وتعالى- لهم واحدة، وكل أساليب الكفر على اختلاف الحضارات من المدفع إلى العصا والحجر هي واحدة.
وهناك قصص كثيرة معروفة من السيرة، لكن سنقف عند بعض المحطات للإيضاح، أبونا آدم -عليه السلام- نزل إلى الأرض في القصة المعروفة التي تعرفونها، وكان عنده في البداية ولدان: قابيل وهابيل، وحسب بعض الروايات أن هابيل هو الصالح وقابيل هو الطالح، فاختلفا على مسألة وذكر القرآن طرفًا من الخلاف، فقال الطالح للصالح: (لأقتلنَّك) ، يجب أن أتخلص منك.
ونستفيد من هذه القصة، أن الكرة الأرضية واسعة لا حصر لها كان فيها هذان الشخصان، لم يقل له يا أخي خذ لك قارة وأنا قارة، لم تتسع لهما الأرض، لم يجد له مكانًا بجواره في كل هذه الأرض الكبيرة، بل قال: لأقتلنك حتى أتخلص منك، وأبقى أنا -الباطل- لوحدي.
وهنا نستفيد أن الباطل من طبيعته -وهذا ما كتبه الله تعالى للبشر- أنه لا يقبل أن يجلس بجانبه حق، ممكن الحق في مرحلة من المراحل يقبل بسبب الضعف، إنما الباطل فلا.
ومنا هنا نلفت النظر أن من يتصور أنه يمكن للحق والباطل أن يجتمعا تحت قبة برلمان هو مجنون ومخبول، الأرض كلها لم تتَّسع لأخوين أحدهما على الحق والثاني على الباطل، فكيف يتَّسع البرلمان لحزبين أحدهما حق والآخر باطل؟ أحدهما يريد أن يسهر ويخمر بالليل والآخر يريد أن يصلي الصبح؟! فلا يمكن أن يجتمعا مع بعض.
حتى النصارى في هذا الوقت فهموا ذلك، وهذا ما ذكرته آخر فلسفات الغرب -لو تملكون بعض الثقافة، وللأسف كثير من الجهاديين لا يعتبر الثقافة مهمة-، آخر النظريات في أمريكا
(1) سورة المائدة، الآية: 27.