عند قول قابيل: (لأقتلنك) ؛ فالحق لا يقبل باطلًا والباطل لا يقبل حقًا، هذه القاعدة تقرَّرت منذ البداية.
الآن قابيل وهابيل واحد قتل الآخر، وجاءهم إخوة، تزوجوا وتفرَّقوا حتّى ضاقت الأرض، شربوا الماء وقلَّ الزَّرع فأخذ كل منهم أولاده وذهب، فصاروا قبائل، والقبيلة هي أب وطبقة أولاد. والآخر أصبح له أولاد أيضًا، فصاروا تنظيمًا، هؤلاء إخوة، وهؤلاء أولاد عم، وهؤلاء أولاد أولاد العم، فنشأت العشيرة وتقسَّمت الناس على النظام القبلي.
وكان الاقتصاد رعويًا زراعيًا بسيطًا، تصطاد الحيوانات وتزرع الأرض، وتختلف النظريات وأبسطها أن آدم لما نزل علَّمته الملائكة علومًا بدأ بها الحضارة، في حين تقول نظريات أخرى أنه نشأ بعيدًا، وأكل الحشيش، ثم تعلَّم بالحجر، ثم اكتشف النار، وبعد مليون سنة تعلم كل شيء.
المهم أنهم عملوا حضارات، والبنية الاجتماعية كانت القبيلة، والنظام الاقتصادي زراعي إقطاعي، وإقطاعي يعني أن الجد الكبير أخذ بعض من عنده وجعلهم حرسًا، فبدأ يتكوَّن شيء من السلطة.
والله -عز وجل- يقول: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [1] ، بعث الله في كل تجمّع من هذه التجمعات رسولًا نذيرًا، في بعض الأثار أن عدد الأنبياء الذين نزلوا 125 ألف نبي ورسول، منهم 25 ذُكروا في القرآن، لكن المذكور في القرآن {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} ليس هناك تجمُّع إلا وله نذير، فهؤلاء أخذوا الرسالات وشوهوها، وحصل ما تعرفونه من نشوء الشرك.
فحتى يتم الحكم وحتى تتعبَّد الناس وتحل مشاكلها وتحس أنها يجب أن تطيع شيخ العشيرة نشأ بجوار السلطة رجل الدين، فهذا يتولى الحكم وهذا يتولَّى دين الناس وتعليمهم وعبادة الأصنام والاستقسام بالأزلام والتمائم، هناك صالحون وهناك منحرفون، فصار هناك جهاز يتولَّى الدين، فنشأ الجهاز الديني.
ولكن هناك مجموعة لا تنصاع للدين، فنشأت مجموعة من الأعوان يتولَّون عملية القمع والضرب، فنشأت هنا السلطة بالسيف، وهنا سلطة بالدين، وهنا سلطة بالذهب؛ إما أن تعطي مالًا أو تضرب عنقه أو تأتي له بشيخ يقنعه؛ وبهذه الطريقة يحكمون.
فنشأت القبائل وأخذت الأراضي وبَنَت المدن والحضارات الكثيرة، كبرت القبائل فأصبحت القبيلة على حدود قبيلة ثانية، وتعاركوا، مع أن كلهم أولاد آدم، وبدأ القوي يبتلع الضعيف، وقبيلة تبتلع قبيلة، وبدأت الحرب على الدنيا غالبًا من الأراضي والمزارع، وقليل من
(1) سورة فاطر، الآية 24.