نأتي الآن إلى قضية الدعوة، وهي أساس اندحار الحركات الجهادية. في الإعلام هناك شيء اسمه (فحوى الخطاب) ، هذا يعني المكتوب في الرسالة، موضوع الرسالة. وهناك شيء اسمه (أسلوب الخطاب) ؛ هناك أسلوب شديد، أسلوب عاطفي، أسلوب أدبي، أسلوب قليل الحياء، هذا الأسلوب الذي كُتب به الخطاب.
وبعد ذلك هناك شيء اسمه (وسيلة نقل الخطاب) . وشيء اسمه (جهة الخطاب) ؛ أي الذي ستخاطبه. فهذا من علم الإعلام، فلما أنت تريد أن تتكلم مع واحد في موضوع أول شيء ينبغي أن تعرف مع من تتكلم، هل هي رسالة إلى شركة كهرباء؟ أم رسالة إلى بنت جيرانك تريد تخطبها وتطلب القرب منها؟ أو واحد ضال تريد أن تهديه إلى الله -سبحانه وتعالى-؟ أم هي رسالة لواحد أنت متشاجر معه وتريد أن تعلّمه الأدب؟ يختلف تمامًا بأسلوب معين.
إذا لشركة كهرباء تحدد جهة الخطاب: شركة كهرباء، فحوى الخطاب: موضوع قطع الكهرباء، نريد أن نطلب منهم توصيل الكهرباء، أسلوب الخطاب: معالي وزير الكهرباء في اليوم الفلاني حصل كذا، ومعاليك ونريد وصل الكهرباء .. وسيلة الخطاب: ترسلها مع واحد بنت عمه صديقة زوجة وزير الكهرباء، فهذه وسيلة الخطاب، فترجع الكهرباء. هذه اسمها وسيلة نقل. أما إذا أرسلتها بدون واسطة ولا هم ولا يحزنون لا ترجع الكهرباء.
تريد تخطب تكتب لبنت خالتك:"حبيبتي يا بلبلة شجر الليمون .."، ثم تختار وسيلة مناسبة، فتقبل أن تتزوجها، فترسل أمك لتخطبها. حدَّدت الجهة، حدَّدت الوسيلة، أرسلتها مع شخص محبَّب أخذت قلبها.
هذا أصل في الدعوة مُحترم. أن تعرف مع من تتكلم وماذا تتكلم وماذا تريد. فهل هذا العلم البدهي كان محترمًا عندنا في خطاب الناس؟!
أول شيء لا نعرف مع من نتكلم! الأمة كلها مع بعضها نتكلم معها بلهجة واحدة، هو عامي هو شيخ هو إخواني هو صالح هو عاطل، كله رسالة واحدة إلى كل الناس. في علم الإعلام هناك شيء اسمه (إعلام عام) ، لأنه تقرأه شرائح كثيرة من الناس. وشيء اسمه (إعلام خاص) فتصدر بيانًا إلى علماء الأمة، هذا خاص. تتكلم إلى علماء الأمة، تقول لهم:"قال الحاوي وحاشية الصاوي وقال فلان وفلان والمحتاج والمنهاج .."، فتتكلم بما يفهمونه، فتُقيم عليهم الحجة. هذا بيان إلى العلماء.
تريد أن تتكلم مع العامة فهل تقول لهم:"المحتاج والمنهاج .."، رجل يصلي أو لا يصلي حتى ولا يعرف عقيدته تأتي تقول له:"وأثبت العلماء أن الجهاد أو دفع الصائل ليس أوجب بعد توحيد الله منه"، فهو لا يفهم هذا.