كنت أعمل على كتاب وأنا في بريطانيا اسمه (موسوعة الحكام والعلماء) ، فيه سير حكام صالحين وعلماء صالحين، وحكام فاسدين وعلماء فاسدين، حكام صالحين وعلماء فاسدين، وحكام فاسدين وعلماء صالحين، هذه الحالات كلها مرَّت في التاريخ الإسلامي، اقرؤوا في سير الرجال، أظن عندكم كتاب (صفة الصفوة) ، اقرأ ترجمة الفضيل بن عياض، اقرأ ترجمة الحسن البصري، اقرأ مواقفه مع هارون الرشيد، ورجاء بن حيوة مع عمر بن عبد العزيز، ستجد العلماء.
ولكن مع هذا الصنف الخبيث الذي حلَّ فينا في آخر الزمان: حكام فاسدون مع علماء فاسدين، هذا مر في التاريخ، حكام فاسدون ولكن ليسوا كفرة، حكام ظلمة كأبي جعفر المنصور، وعبد الملك بن مروان.
خرج عبد الملك بن مروان للمسجد النبوي في زيارة للمدينة أول ملكه، ثم قال:"يا أهل المدينة لا يقول لي رجل اتَّقِ الله إلا ضربت عنقه"قمة الظلم، وهو كان من قرَّاء المسجد النبوي، وكان هو وعبد الله بن الزبير -رحمه الله- يسمَّيان حمامتا المسجد، لكثرة جلوسهما في طلب العلم، ثم صار أحدهما خليفة والثاني خرج على الخليفة، واقتتلا على الملك، وكان الحق مع عبد الله بن الزبير.
فالشاهد لما كثرت المشاكل قال لهم:"لا يقول لي رجل اتق الله إلا ضربت عنقه"؛ لا أحد يقول لي صح أو خطأ، وكان في زمانه سعيد بن المسيب.
فهناك كنوز يجب أن تُجمع. هناك كتاب لكاتب اسمه: عبد العزيز البدري، عراقي قتله صدام حسين، رحمة الله على عبد العزيز البدري ولعنة الله على الآخر، والكتاب اسمه (الإسلام بين الحكام والعلماء) ، هذا الكتاب بديع جدًا، وهذا الكتاب على قِصره أوحى إلي أن الموضوع لأهميته يجب أن يُكتب فيه موسوعة.
قلَّد المسلمون النصارى في عاداتهم ومن ذلك اتخاذ الأحبار والرهبان، وظهور ظاهرة علماء السلطان، لما تبحث في سير الرجال وتقرأ كتبًا مثل (سير أعلام النبلاء) ، أو (صفة الصفوة) ، أو (طبقات الشافعية) ، (طبقات الحنفية) ، أي سير العلماء، والحمد لله أغلب السير المكتوبة هي سير الصالحين، لكن أحيانًا في معرِض سير الصالحين يكتبون لك عن أحد آخر.
علماء السلطان موجودون منذ بني أمية، منذ ذهبت الخلافة الرَّاشدة وظهرت أول وأخطر بدعة في الإسلام وهي تحوّل الخلافة إلى ملك وتحوُّل الشورى إلى وراثة. وهذه كانت أسوأ بدعة جاء بها بنو أمية، كان المسمَّى خليفة وهو الملك أو السلطان يورثها ابنه، وصل الأمر إلى أن عبد الملك بن مروان أن جمع العلماء وأخذ منهم البيعة لأربعة أبناء وليس لواحد، إذا مات فمن بعده هشام بن عبد الملك، إذا مات فمن بعده الوليد بن عبد الملك، ومن بعده سليمان بن عبد الملك، ومن بعده يزيد بن عبد الملك.