فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 613

لذلك سمَّاه النبي -صلى الله عليه وسلم- (المُلك العضود) ، من العضّ بالنَّواجذ، يعضّ عليها بأسنانه ولا يتركها لأحد، بعضهم يسلم لبعض، ولا يمكن لأحد أن ينزع منه ملكه إلا بالعض أيضًا، لا بد للآخر أن يعضه ويتعاضضوا حتى يستقر بهم الحال، ما عادت شورى ولا عادت بالطريقة التي جاء بها الإسلام.

وهذا في بعض بلاد المسلمين إلى الآن، الملك حسين إلى ابنه عبد الله بن حسين، والملك حسن إلى ابنه محمد بن الحسن، فهذا الملك أدرك مِن السنن وتجارب مَن قبله، وكل ملك يعلّم ابنه، حسين قبل أن يموت جلس جلسات طويلة مع ابنه وعلَّمه كيف يخون البلد، وكيف يخون المسلمين، وكيف يعمل العلاقات، وكيف يدخل في الماسونية، وكيف يكون مثل أبيه، وعلَّمه أيضًا أنه يجب أن يتخذ علماء سوء، يسبّحوا بحمده، ويجعلوا المسلمين يُطيعونه.

فظاهرة علماء السوء ظهرت منذ ظهور بني أمية، كنت أقرأ في (صفة الصفوة) في سيرة الحسن البصري -رضي الله عنه-، وكان مما ذكر عنه أنه مرَّ بباب الأمير فوجد مجموعة من العلماء، فوبَّخهم وقال لهم كلامًا من أبدع ما يكون. [1]

وإذا جئت إلى ظاهرة علماء السوء تجد أنه من خطورة علماء السوء تجدها خُطَّت في آيات من القرآن مهمة جدًا {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [2] .

وكيف شبَّه بني إسرائيل؟ {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [3] ، يحمل العلم لكن لا يقوم بحقه، كالحمار العطشان يحمل الماء ولا يشرب.

كالعيس في البيداء يقتلها الظَّما ... والماء فوق ظهورها محمولُ

خُطَّت في القرآن بآيات كريمة: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} [4] ، هذه الآية في كتب التفسير أنها نزلت في علماء بني إسرائيل، وفي بعض التفاسير سموه بلعام بن باعوراء، وكان في قوم موسى، أو في زمن يوشع ذي النون، النبي الذي جاء بعد موسى -عليه السلام-.

وكان حسب الرواية معه اسم الله الأعظم، ولما ذهب جاء موسى ليحارب القوم الجبَّارين في فلسطين، ذهب هو مع ملك من ملوك الجبَّارين، فقيل له:"أنت معك اسم الله الأعظم فادعُ على"

(1) أخرجه أبو نعيم في (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) 2/ 150 فقال:"خَرَجَ الْحَسَنُ مِنْ عِنْدِ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَإِذَا هُوَ بِالْقُرَّاءِ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: «مَا يُجْلِسُكُمْ هَاهُنَا؟ تُرِيدُونَ الدُّخُولَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْخُبَثَاءِ؟ أَمَا وَاللهِ مَا مُجَالَسَتُهُمْ بِمُجَالَسَةِ الْأَبْرَارِ، تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَ أَرْوَاحِكُمْ، وَأَجْسَادِكُمْ قَدْ لَقَّحْتُمْ نِعَالَكُمْ، وَشَمَّرْتُمْ ثِيَابَكُمْ، وَجَزَزْتُمْ شُعُورَكُمْ، فَضَحْتُمُ الْقُرَّاءَ فَضَحَكُمُ اللهُ، وَأَمَا وَاللهِ لَوْ زَهَدْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ لَرَغِبُوا فِيمَا عِنْدَكُمْ، لَكِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ فَزَهِدُوا فِيمَا عِنْدَكُمْ، أَبْعَدَ اللهُ مَنْ أَبْعَدَ» اهـ."

(2) سورة البقرة، الآية: 159.

(3) سورة الجمعة، الآية: 5.

(4) سورة الأعراف، الآيات: (175 - 176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت