قوم موسى"، فخرج إلى الجبل ليدعو على قوم موسى وهو يدفع دابته وهي تستعصي عليه، وكان من قوم موسى ومن علمائهم، ومعه اسم الله الأعظم ومستجاب الدعاء، فاستخدم أعظم سلاح أنعم الله به عليه ضد قوم موسى -عليه السلام- ومن معه."
فلما أخذ يدعو صار ينقلب لسانه، يريد أن يقول:"اللهم أهلك قوم موسى"، فينقلب لسانه إلى:"اللهم أهلك القوم الجبَّارين"، فلا يسيطر على لسانه. علم أن الله قد فتنه، فالتفت إلى القوم الجبارين -انظر الإصرار على الضلال- وقال:"أنا أُخذ مني الدعاء وفُتنت فما لكم إلا حيلتي، أطلقوا فيهم النساء، فيفشو فيهم الزنا فيسخط الله -عز وجل- عليهم فيهلكهم".
فأرسلوا النساء في شكل بائعات خبز لجيش موسى، فوقعوا في الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون، فهلك سبعون ألفًا، فهذه كم معركة تحتاج لإهلاك سبعين ألفًا؟!
فلما علموا قام صلحاء بني إسرائيل ينهون عن المنكر حتى كان الصَّالحون يأتون إلى الزاني والعاهرة فيغرزونهم بالرمح ويرفعونهم ويقولون هكذا نفعل فيمن عصى الله، فرُفع عنهم العذاب.
فهذا الذي نزلت فيه الآية: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [1] ؛ انسلخ من نعمة الله -سبحانه تعالى-، فمثله كمثل الكلب، اطلب منه فتوى يصيح، اتركه يصيح، اطلب منه رأيًا يصيح، لا تطلب منه رأيًا يتكلم. {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} [2] ، على كل الأحوال شر لسانه سيطولك.
نأتي إلى الآية الأخرى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [3] ، المثال واضح، من يحمل العلم ولا يستفيد منه.
في الآية الأولى قوله تعالى: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [4] ، ذكر الإمام ابن تيمية في (الفتاوى) قال:"فتركُ أهل العلم للعلم، ولما يُوجبه العلم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أضرُّ على الأمة من ترك أهل الجهاد للجهاد؛ فتركهم للعلم ووقوعهم في المعاصي وإعطاؤهم المثل السيء صدٌّ للناس عن سبيل الله، فمن فعل هذا يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، لأنهم بسبب ضلالهم عصى الناس الله، ومُنع القطر ووقع البلاء، ومسَّ حتى النباتات والحيوانات، فيلعنهم كل مخلوق، بسبب معاصي البشر تتضرَّر الحيوانات والنبات والأرض فيلعنهم اللاعنون" [5] .
ذكر سيد قطب وقال في تفسير هذه الآية عن العلماء الذين وقفوا في المنتصف:"فكأنها نزلت في أشخاص نراهم بأعيننا، تجد أحدهم يعضّ بأيديه وأرجله يريد أن يحجز لنفسه مكانًا في"
(1) سورة الأعراف، الآية: 175.
(2) سورة الأعراف، الآية: 176.
(3) سورة الجمعة، الآية: 5.
(4) سورة البقرة، الآية: 159.
(5) لا يوجد بهذا النص والظاهر أن الشيخ نقله بالمعنى، يقول شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى) 4/ 42:"وَعَكْسُهُ كَاتِمُوا الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: إذَا كَتَمَ النَّاسُ الْعِلْمَ. فَعُمِلَ بِالْمَعَاصِي احْتَبَسَ الْقَطْرُ فَتَقُولُ الْبَهَائِمُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ فَإِنَّا مُنِعْنَا الْقَطْرَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ."اهـ.