الأعشاب، فظننت أنه الهدف، فقمت ورميت على هذا الهدف وكشفت نفسك، فصرت مكشوفًا لجهة العدو الأساسي واشتغلت بهذا الهدف.
وحتى يخدعنا العدو جاءتنا هذه الخدع أحيانًا تحت بعض المسميات الشرعية، فيوهموننا فيها، أو يوهمونا تحت بعض المبادئ العسكرية، فغفلنا عن أشياء مهمة سأشير إليها الآن، فنحن أخطأنا في تصور حقيقة المعركة.
جاءت الحملة الصليبية الأولى في بداية القرن السادس الهجري تقريبًا، في سنة 489 هـ تقريبًا، فجاء الصليبيون ونزلوا في منطقة الشام. ( ... ) .
في فترة الحملات الصليبية كانت بغداد تمر بحالة من الضعف الشديد جدًّا، فقد جاءت الحملات الصليبية قبل مائة سنة من سقوطها، فبغداد سقطت في عام 656 هـ، وكان للمسلمين دول وإمارات؛ إمارة حلب، إمارة حمص، إمارة دمشق، إمارة بيروت، إمارة طرابلس وهكذا.
فجاء الصليبيون ووحَّدهم البابا أوربان الثاني، وتحرَّكوا في الحملات الصليبية عبر البحر وعبر أوروبا، وكانوا كلّما مرّوا بمملكة يأخذون بعض البشر، فعبروا من هنا لبلاد الشام، فأقاموا أول إمارة صليبية وهي إمارة الرها، ثم تبعتها إمارات سواحل الشام، فأخذوا تقريبًا ما يوازي لبنان وفلسطين، هذه هي دائرة الصراع في الحملات الصليبية الأولى.
الحملات الصليبية الأولى استمرت تقريبًا (1100 - 1300) م [1] يعني مائتين سنة، فخلال هذه المائتين سنة حصلت أشياء مهمة جدًّا تفيدنا في وضع تصوراتنا لصد الحملة الصليبية الثالثة.
الأمر الأول: توحُّد أهل الإسلام على مدى تاريخهم على ثلاث مرجعيات:
المرجعية الأولى: هي المرجعية السياسية؛ يعني حكومة أو حاكم أو خليفة مسلم شرعي، في فترة يكون خليفة واحد يحكم كل الدنيا، في فترات تكون هناك دول طوائف؛ يعني مثل الموحّدين والمرابطين، وقد تعارف الفقهاء أنّه إذا تعدّد الأمراء وكان كلّ واحد يحكم بشرع الله فلا مانع من تعدّد الممالك، فكان هناك حاكم شرعي وهذه المرجعية الأولى.
المرجعية الثانية: هي المرجعية الدينية؛ وعلى مر تاريخ الإسلام ومنذ القرن الثاني أو الثالث الهجري كانت المرجعية الدينية للمسلمين هم أئمة المذاهب الأربعة وأئمة الطرق الصوفية.
فكان الناس متحدّون على هؤلاء الرؤوس؛ حاكم ومشايخ.
(1) أو بصورة أدق: (1096 - 1291) م.