الصراعات قامت على الدين والمبادئ. فنشأ من هذا أن هناك شيخ قبيلة كبيرًا ابتلع حوالي 500 قبيلة، فنصَّبوه ملكًا، فمن القبيلة نشأت المملكة.
إذًا من القبيلة نشأت المملكة، فصار هناك ملك، والملك يملأ مركزه يصبح له أملاك، ويوزّع الأراضي، ويكون عنده سلاح، ونشأت أجهزة الملكية، ونشأ نظام اقتصادي وعسكري وحضارة وعمران، وجهّز مهندسين ليصمّموا له القصور الكبيرة، والراقصين والراقصات حتى يرقصوا، وتفرَّعت الحضارة ومشت في هذه الصورة.
ثم كبرت الممالك وحصل لها ما حصل مع القبائل؛ أنّ المملكة وصلت حدودها للملكة الأخرى فبدأ النزاع. ونتيجة الابتعاد تغيَّرت اللهجات وتشوَّهت ثم تحوَّلت وتبدَّلت حتى صارت لغات أخرى، فبدأ الإنسان يشعر بالغربة عن الآخر، وأنه ليس أخاه من أبيه آدم. وصارت ممالك؛ هنا روم، هنا فرس، ثم جاءهم أنبياء، ثم انحرفوا عن الدين.
فصار هناك تباينهم في المسكن وفي الدين وفي اللغة وفي الأشكال؛ فهذا طويل، وهذا عيونه سوداء، والله -سبحانه وتعالى- لما خلق آدم أخذ قبضات متفرَّقة من طين الأرض ولهذا خرج أولاده بأشكال متفرّقة، أصولهم ملوّنة، فصارت الشعوب متفرّقة ومختلفة في اللغة، في الدين، في الحكم، في الحضارة، في كل شيء.
فأصبحوا يشعرون أن هناك حالة عداء، فتحاربت الممالك، ابتلعت ممالك ممالك أخرى، ونشأت إمبراطورية -ممالك كبيرة-، فنشأت القبيلة، فالمملكة، فالإمبراطورية. ونشأت الحضارات القديمة.
سنتحدث عن نظرية (توينبي) وهو مؤرخ إنجليزي توفي سنة 1965 م، وعن نظرية ابن خلدون في القرن السابع في قضية نشوء ودمار الأمم. هذا سنرجع له.
لكن على صعيد كل قبيلة لوحدها، وعلى صعيد كل مملكة لوحدها، وكل تجمُّع لوحده نشأت أقدم المشاكل البشرية وهي نشوء رجل الدين إلى جانب الملك.
عندما تكلمت مع الأخوة في قضية العلماء، وبفضل الله -عز وجل- أنا أول من تحدَّث في الأوساط في هذه القضية سنة 1990 يوم حرب الخليج =قالوا أنَّنا أحدثنا بدعة في الإسلام.
وحتى تدخل القضية في عقول الناس يجب أن نبيّنها لهم من أصولها حتى يفهموها، أما أن تقول له آخر جملة:"أن شيخك هذا الذي تصلي خلفه منافق"، فسيقول لك:"أنت تكفيري"، ولا يقبلها منك، فيجب أن نبيّن لهم كيف نشأت هذه المشكلة.
فمع التَّتبع البحثي والفكري لهذه المشكلة (مشكلة رجل الدين) ، وجدت أن القضية قديمة جدًا من عند أبناء آدم وهي نشوء ثالوث خبيث اسمه: (السلطة، ورجل الدين الساحر الداعم للسلطة، ثم الأعوان القائمون على تنفيذ الظلم) ، فالسلطة تقوم على هذا منذ أقدم عصور البشرية.