وهذا كان على مدار تاريخ الإسلام، أهل العلم والصلاح اعتزلوا السياسة وكان هذا خيرًا لهم وشرًا على المسلمين.
فعندما اعتزل أهل الصلاح والعبادة وتركوا القضية وعملوا بأمور الدين والصلاح وعنوا بأنفسهم؛ بقي الملك للفساد والفاسدين، واستولوا علينا؛ لأن كل الصلحاء حتى في حاضرنا قالوا:"دع الخلق للخالق، وما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، فترسَّخ مفهوم العلمانية من هنا، أن الدين لأهل الدين والحكم لأهل الدنيا.
فالمهم افترق الكتاب والسلطان كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فنأتي إلى بني العباس.
* [1] وصلنا إلى بني العباس، والذي في الذاكرة أن بني العباس بدأوا في التهيئة للانقلاب من عهد عمر بن عبد العزيز وكانوا سيقومون فيه، ولكن لما جاء عهد عمر بن عبد العزيز قالوا نؤجل هذا الموضوع حتى يذهب أشج بني أمية، فهو رجل صالح فكيف سيحوّلون الناس للقيام عليه، ثم تأخر الموضوع حتى أيام مروان الأخير فقُضي على بين أمية.
الملاحظ -وهو أمر يهمنا- أن الذي وضع مخطط انقلاب بني العباس عندما كان يرسل قادته الأساسيين كان يوصيهم بوصية تهمنا، قال للقائد الأساسي:"تجنَّب أهل مكة فإنهم غلب عليهم حب الشيخين -يعني أبا بكر وعمر والسيرة الأساسية الصحيحة-، وتجنّب أهل المدينة فإنّ أغلبهم على حب عليّ، وتجنب أهل الشام فما زال في قلوبهم حب بني أمية، وتجنب أهل العراق ففيهم كذا ..".
ففصّل الأمم -وسبحان الله- الوصف الذي وصفه إلى يومنا هذا صحيح. ومما قال له:"عليك بأهل خراسان"، اعتمد عليهم في أساس الدعوة، فوصفهم ومما وصفهم أنهم أطوع الأجناد للقادة، وأنه يأخذهم ويحركهم كما يشاء، كما رأينا الأفغان ورأينا غيرهم، يقال لهم: قاتلوا الروس يقاتلون الروس، قاتلوا رباني يقاتلونه، قاتلوا حكمتيار يقاتلونه، فهم جنود أشداء وأصحاب بأس [2] .
(1) بداية تفريغ الملف الثاني عشر.
(2) جاء في (عيون الأخبار) للدينوري 1/ 303 أن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس قال لرجال دعوته عندما بعثهم:"أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة عليّ بن أبي طالب. وأما البصرة فعثمانيّة تدين بالكفّ وتقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل. وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى. وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان، عداوة لنا راسخة وجهلا متراكما. وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وصدورا سليمة وقلوبا فارغة لم تتقسّمها الأهواء ولم تتوزّعها= =النّحل ولم تشغلها ديانة ولم يتقدّم فيها فساد وليست لهم اليوم همم العرب ولا فيهم كتحازب الأتباع بالسادات وكتحالف القبائل وعصبيّة العشائر، ولم يزالوا يذالون ويمتهنون ويظلمون ويكظمون ويتمنّون الفرج ويؤمّلون الدول وهم جند لهم أجسام وأبدان ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أفواه منكرة، وبعد فكأني أتفاّل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق."اهـ.