أما الشيئان السيئان جدًا هما: فساد الحكم والملك. الأمر الآخر هو فساد الناس ودخول الدنيا والتجارة والفنون والطرب والموسيقى والعود والشعر وكتابة الأغاني وهذه القصص، والكلام الذي ترونه الآن في كتب التاريخ.
أما الشيئان الجيدان جدًا هما: ازدهار العلم الشرعي وانتشاره؛ كتابة الحديث، ونشوء المذاهب، وكثرة الفقهاء، عندما تدخل في الطبقات هذه المرحلة وهي نهاية القرن الأول، لما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) [1] .
قيل أي 300 سنة وهذا ليس صحيحًا لأنّ المراد القرن في العرف وليس القرن بمعنى المائة سنة، ففي الحقيقة لم تمضي 300 سنة إلّا والقضية خراب، والصحيح أن خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم أي: الصحابة، فالتابعين، فتابعي التابعين.
وكل جيل هو قرن ال 30 سنة، أي هو القرن الأول، ثم يدب الفساد. وإذا فهمت الحديث هكذا ستجد التاريخ صحيحًا، لأنه على رأس مائة سنة كانت خربة. فالشاهد هو جيل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، التابعون، فتابعو التابعين.
فمرحلة التابعين وتابعي التابعين هي مرحلة بني أمية، وتجد فيها كثرة العلماء، والرجال والصالحين؛ والحسن البصري، رجاء بن حيوة، الأوزاعي، وكل هذه الأئمة .. إلخ، قائمة طويلة عريضة، وأخبرتك أن بداية كتابة الحديث كانت في هذه المرحلة. فانتهت دولة بني أمية على هذا الحال.
والأمر الثاني العظيم جدًا: هو انتشار الفتوح؛ كل عالم المسلمين الذي فُتح بالسيف فُتح في عهد بني أمية، لأن بعد ذلك جاءت دولة بني العباس فحفظوا الثغور هنا مع الترك والروم، ووقفت الفتوح هنا، وأصبحت علاقات دولية وتجارة وصناعة وزراعة مع دول الفرنجة، مع بعض الغزو للقسطنطينية وحدود تركيا. وأصبح القتال في العواصم في حدود الشام وبلاد الأناضول، وباقي الأمور بقيت على حالها، وامتدَّت الفتوح قليلًا هنا، وهي عملية محافظة على الإطار في مرحلة بني العباس، أما الفتح الذي تم فهو في مرحلة بني أمية، فهذا من مميزات بني أمية.
فكان أهل العلم والجهاد في وادٍ، وأهل الملك والدنيا في وادٍ، وكما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- للصحابي -وأظنه عبد الله بن مسعود: (ألا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: «كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ» ) [2] .
هذا من الأحاديث المهمة جدًا في كتب السياسة الشرعية، قال: (ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان) ؛ أي: سيكون أهل السلطان والدنيا في وادٍ، وأهل القرآن والصلاح والعلم في وادٍ،
(1) صحيح البخاري (2651) .
(2) معجم الطبراني الكبير (172) ،