وخرج منهم أبو مسلم الخراساني، وتجنَّد كثير من أهل خراسان في دعوة بني العباس، ونزلوا بهم إلى الشام وانتصروا في هذه المعارك.
ثم بعد ذلك تخلّص أبو جعفر المنصور من أبي مسلم الخراساني، وحصلت مرحلة اضطرابات، حصل فيها قتل وتصفيات بين الأوائل، ثم آل الأمر أبو جعفر المنصور الذي يُعتبر تولّيه بداية بني العباس.
أبو جعفر المنصور هو أول خلفاء بني العباس عمليًا، وكان قبله أبو العباس السفاح لفترة قصيرة، سمّي بالسفاح لأنه سَفَح كل الناس وقتل منهم مقتلة عظيمة، ويقال كان له 6 آلاف عبد في جنوده، فخرجت عليه امرأة من نساء بني هاشم قالت له:"ويحك قتلت أولاد عمك لعبيدك"، فأخذته النخوة، فأمر بقتل العبيد وذبحهم الستة آلاف!، يذكرني به أبو عبد الرحمن أمين في الجزائر [1] ، فكنت أقول هذا أبو عبد الرحمن السفاح.
الشاهد أنه خرج أبو العباس السفاح ثم بعد فترة قصيرة آل الأمر إلى أبي جعفر المنصور. وقلت لكم في كل دولة هناك رجل إداري مؤسّس، فمن حسن حظّ بني العباس أن هذا الرجل الإداري المؤسِّس الملك الحقيقي الذي تستطيع أن تعتبره منشئ الدولة هو أبو جعفر المنصور.
أول شيء عمله أبو جعفر المنصور أنه نقل العاصمة من دمشق إلى بغداد، واختص نفسه بقصر، وبنى بجواره مسجدًا، وديوانًا للحكومة، وشق منه شوارع وعمل في كل شارع منه مسجدًا، وقطّع الأقسام، ومكّن الأمراء، وبنى مدينة بغداد وسماها (دار السلام) ؛ فهو مهندس بغداد الأساسي.
وانتشرت قوّاته وتشعّبت في بغداد، فوصلت بغداد في نصف مرحلة بني العباس في عهد الإمام أحمد إلى ملايين، لما كُشفت المحنة أرسلوا لهم نفوذ بغداد 6 آلاف ألف الرجال، أي ستة ملايين نسمة، الرجال المؤرشفون في الدائرة المعروفون.
فأصبحت بغداد مدينة عظيمة جدًا. منطقة البحر المتوسط حسب بالتقسيم الحالي، سوريا، لبنان، فلسطين، البحر الأحمر، الأردن، قناة السويس، العراق، الخليج العربي، قطر. من هنا يمر نهر الفرات، ومن هنا يمر نهر دجلة، وهنا مدينة بغداد على دجلة، وتركيا، البحر الأسود، بحر مرمرة. وكانت العاصمة الرابعة للإسلام في بغداد.
فكانت العاصمة الأولى المدينة ومكة، والعاصمة الثانية دمشق، ثم انتقلت دمشق إلى بغداد، هذه المنطقة أصبحت قلب العالم وفيها كل تاريخ الإسلام تقريبًا؛ العراق مصر، الشام. عمليًا من خراسان إلى مصر إلى اليمن إلى حدود الأناضول هي تاريخ الإسلام.
كان أبو جعفر المنصور رجلًا عبقريًا مثل عبد الملك بن مروان، أسس الأمة ورتبها، وكانت عقليته كبيرة جدًا، ومثلما حاول هرقل الذي كان يريد أن يجمع الأناجيل، حاول أن يجمع
(1) أمير الجماعة الإسلامية المسلحة (الجيا) في الجزائر والذي انحرفت الجماعة في عهده وأخذت منحى الغلو في التكفير واستباحة دماء وأعراض المسلمين.