الأحكام ويوحّد الفقه ويجعل الناس على مذهب واحد. فأرسل إلى الإمام مالك ليكتب له (الموطأ) ليوحد الأمة على أحكام معيّنة.
وفي عهده تقريبا بدأت المذاهب، وكان سفيان الثوري صاحب مذهب، وكان أبو حنيفة صاحب مذهب، وفي آخر عهده كان الإمام مالك، ففي هذه الفترة الذهبية بدأت المذاهب.
فرتب أبو جعفر المنصور الدولة تمامًا، وتخلّص من خصومه، وحاول أن يجبر العلماء، فامتُحن في عهده الإمام مالك، والإمام أبو حنيفة، وأراد الطالبيون (بنو الحسين) بعد ذلك أن يقوموا بانقلاب ويستردوا الحكم من بني العباس بعد أن خدعوهم، وحدثت عدة ثورات من بني الحسين بن علي -رضي الله عنهما- على بني العباس وأبي جعفر المنصور.
فخرج محمد النفس الزكية في المدينة، وخرج أخوه إبراهيم في الكوفة على أبي جعفر المنصور، الأول اعتمد فتاوى الإمام مالك، والثاني اعتمد فتاوى الإمام أبي حنيفة، ولكن كما حصل دائمًا في دنيا السياسة غلب أهل السياسة المشايخ، ففي أغلب الاشتباكات التي حصلت نتج هذا عن تصرف كلا الطرفين.
هناك كتاب لرجل لا أحبه في الله، ولا أحب كتبه اسمه محمد العبدة، والكتاب اسمه (هل يعيد التاريخ نفسه؟) ، وهو كتاب قيم، وفكرته جميلة وخاصة الآن، لا بد أن نقتبس من التاريخ دروس وعبر، وله كتاب اسمه (حركة النفس الزكية) كتاب جيد. كتاب (هل يعيد التاريخ نفسه؟) يوضح وضع الأمة مع الصليبيين، وهو نفسه وضع المسلمين الآن.
المهم من الأشياء التي عملها أبو جعفر المنصور لما علم أن محمد النفس الزكية يعد للثورة، رأى أن أفضل طريقة لإفشال هذه الثورة هو أن تخرج قبل أن تنضج، لاحظ أن هذه الطريقة يعملها كل الملوك، حتى أن الملك حسين أستاذ في هذه الطريقة، يعرف أن الناس يريدون أن يتسلَّحوا، فيسلّحهم ويجعلهم يخرجون قبل أن تُعدّ القضية بشكل جيد.
أرسل أبو جعفر المنصور رجلًا من خواصه فأعلن حب آل البيت، واندس في جماعة محمد النفس الزكية، وكان له مهمة واحدة هي: أن يقنعه بالخروج، كل الملوك تخاف أن يخرج عليها الناس، وهذا ذهب ليقنعهم بالخروج قبل الوقت، ولما علم أبو جعفر المنصور أن محمد النفس الزكية خرج -وكان يعلم أن حركته لم تنضج بعد- من فرحته قذف عمامته في السماء وقال: أخرجت الضَّب من جحره.
لذلك جماعة حافظ الأسد لما أرادوا أن يدمّروا الجهاد اضطروا أهل حماة للخروج إلى المواجهة العلنية. وفي كتاب (حرب العصابات) لجيفارا هناك فصل اسمه (الدفاع الذاتي) ؛ أي أن تخرج العصابات وتحتل منطقة تدافع عنها وتعتبرها منطقة محرّرة، فاعتبرها جيفارا واحدًا من أساليب حرب العصابات، وهذا علم عسكري نأخذه من أبي جعفر أو من أي واحد كعلم عسكري.