فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 275

معتقداتهم، ولا تقدر على الخروج من سطوة المجتمع، بل إن خفاء معنى إدراكها للحق في كلام ربنا عنها بيّن، فهي في جوهرها شاكة بدينهم، لكنها كانت من قوم كافرين، فهي تتبعهم، وتسير وراءهم، والسبب بالنسبة إليها هاهنا أنها امرأة، مع أن هذا يقع به الرجال المخنثين كذلك.

هذه امرأة مترددة، لا تحسم مقالاتها، فهي تحكي القول وتحفظ خطوط التراجع، فها هي القائلة بعد أن عرض عليها عرشها: {كَأَنَّهُ هُو} ، والقرآن يمدح عقلها في هذا الباب، ولذلك أعقب بعدها ما تقدم من أن المشكلة أكبر ما تكون في إرادتها، وقال عنها: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} .

والملك حكمة وإرادة وشهامة نفس ليحصل الفلاح.

لقد أسلمت بلقيس كما قال ربنا الحكيم عنها وذلك بعد أن رأت سلطانًا عظيمًا حين قيل لها: {ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

ولهذا للموقف وقفات:

مع أن إيمان المقلد مهما كان سببه إن كان حقيقيا فإنه إيمان ممدوح، وهذا هو قول أئمة السلف لا ما قاله المتكلمون، والقرآن في كل سيرة إيمان بلقيس لم يحدثنا عن أي حوار إيماني بين سليمان -عليه السلام- وبين هذه المرأة المؤمنة الصالحة في نفسها لا للملك، بل إن حكمة سليمان بأن الذي أمامه امرأة لها أشواقها وطبيعة حكمها على الأمر أن عرض لها الإيمان من هذه الزاوية دون سواها، وهي زاوية الملك والقوة، وملك الثراء والزينة الباهرة، فعرض عليها هذا البناء العظيم، من الصرح العالي الكبير المبني من الزجاج، وكله من بابه إلى منتهاه من هذه المادة، وهذا مبهر للنساء ولا شك، ولكن أن يكون هذا مدخلًا للإيمان؛ فهذا لا يكون على هذا المعنى إلا عند امرأة تحب أن تكون تابعة لقوي شديد، بل أشد منها، وهكذا كان منها بإسلامها هذا.

فهل بعد هذا هل يستطيع القائل أن يقول: أنا أقبل حاكمًا امرأة ولو كبلقيس في حكمتها، وهو يريد دولة تقيم شرع الله، وتقاتل الكفار والمرتدين والزنادقة، وهو يقبل أن يكون معها كما كان الملأ معها!؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت