فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

فما أعظم تنافس العلماء في سبقهم للغوص على الدرر الخفية في كتاب ربنا، والمرء يعلم يقينًا أنه كلما كان المرء عالمًا بكتاب الله، ذائقا لحلاوته، خاشعًا لعظمته؛ كلما كان عابدًا لله تعالى، وحيث يسبق العبد في مقام العبودية يعني أنه صار أعلم بربه، وأعلم بكتابه، ومدخل سر العلم هو الحرف والكلمة والجملة والمعنى واللفظ، وغير ذلك مما تنقطع الأنفاس لحوقًا به، ووالله كم قلت في نفسي وإخواني لئن أكرمني الله بجنته رحمة منه وغفرانًا للذنب ليكونن أول ما أسأله أن يذيقني القرآن ولذته كما أذاقها لعبده وحبيبه محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلا أظن أن هناك متعة أعظم منها سوى رؤية الرحمان وحلول الرضوان.

المعذرة: نفثة محجوب، واعتراف بالجهل هو كل ما نملكه.

عندما جاء جار الله الزمخشري إلى قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} تأمل فيها سر تكرار التكذيب، فقال: {كَذَّبَتْ} ثم قال: {فَكَذَّبُوا} ، وأنت والله تعجب من هؤلاء القوم، حيث يوقفونك على أسرار مثل هذه، ونحن نمر عليها كأعمى أو جاهل بالدرر، ونتلوها ولا ندري ما يجري على ألسنة من سر الكلام الإلهي العظيم.

وقف هنا الزمخشري وقال:"معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا، أي كذبوه تكذيبًا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا، أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسًا كذبوا نوحًا لأنه من جملة الرسل". انتهى كلام الرجل.

هذا الأمر لم يعجب شيخنا المالكي تلميذ ابن الحاجب، وهو رجل بلاغي لغوي فقيه، يهجم بلا تردد على المعاني الفخمة، ولا يضره أن يسقط لأن هذه سمة الكبار والفحول.

ابن المنير هذا أعاد مواضيع عدة علق عليها من كلام صاحبه الزمخشري، ولكنه بعد ذلك صار إلى القول:"ذكره من جهة عمومه ثم من ناحية خصوصه إسهابًا وهو بمثابة ذكره مرتين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت