يقول ابن القيّم ـ بعد الكلام السابق الذي أوردناه ـ: الطائفة الثانية رأت صحّة حديث سمرة، ولو لم يصح فقد صحّ حديث علي أنّ رسول الله حرّم متعة النساء، فوجب حمل حديث جابر على أنّ الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر، حتّى كان زمن عمر، فلمّا وقع فيها النزاع ظهر تحريمها واشتهر.
الصفحة 37
يقول ابن القيّم: وبهذا تأتلف الاحاديث الواردة في المتعة (1) .
وخلاصة هذا القول: أنّ رسول الله هو الذي حرّم، وقول عمر: أنا أُحرّمهما، غير ثابت، والحال أنّه ثابت عند ابن القيّم، وقد نصَّ على ذلك، هذا والصحابة القائلون بالحليّة بعد رسول الله لم يبلغهم التحريم.
مناقشة الوجه الثالث:
لنرى متى حرّم رسول الله المتعة؟ ومتى أعلن عن نسخ هذا الحكم الثابت في الشريعة؟
هنا أقوال كثيرة.
القول الاوّل:
إنه كان عام حجة الوداع.
فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حرّم المتعة عام حجّة الوداع، والناس لم يعلموا، أي القائلون بالحليّة لم يعلموا ولم يطّلعوا على هذا التحريم، فكان شيء حلالًا في الشريعة بالكتاب والسنّة ثم إنّ رسول الله نسخ هذا الحكم في حجّة الوداع.
هذا هو القول الاوّل.
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد 2/ 184.
الصفحة 38
يقول ابن القيّم: هو وَهمٌ من بعض الرواة.
فهذا القول غلط.
القول الثاني:
إنّه حرّم المتعة في حنين.
قال ابن القيّم: هذا في الحقيقة هو القول بكونه كان عام الفتح، لاتصال غزاة حنين بالفتح.
إذن، ينتفي القول بتحريم رسول الله المتعة في عام حنين، هذا القول الثاني.
القول الثالث:
إنّه كان في غزوة أوطاس.
يقول السهيلي الحافظ الكبير: من قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح.
فانتفى هذا العنوان، عنوان أنّ التحريم كان في أوطاس. تجدون هذه الكلمة في فتح الباري لابن حجر (1) .
القول الرابع:
قيل في عمرة القضاء.
قال السهيلي: أرغب ما روي في ذلك ـ أي في التحريم ـ رواية من قال في غزوة تبوك، ثمّ رواية الحسن إنّ ذلك كان في عمرة القضاء، هذا أرغب ما قيل.
(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 9/ 138.
الصفحة 39
ذكر هذا الكلام الحافظ ابن حجر في شرح البخاري وقال: أمّا عمرة القضاء فلا يصحّ الاثر فيها، لكونه من مرسل الحسن [الحسن البصري] ومراسيله ضعيفة، لانّه كان يأخذ عن كلّ أحد، وعلى تقدير ثبوته، لعلّه ـ أي الحسن ـ أراد أيّام خيبر، لانّهما كانا في سنة واحدة كما في الفتح وأوطاس سواء (1) .
فهذه أربعة أقوال بطلت بتصريحاتهم.
فمتى؟ وأين حرّم رسول الله المتعة؟ هذا التحريم الذي لم يبلغ أمير المؤمنين وغيره من كبار الاصحاب؟
القول الخامس:
إنّه في عام الفتح.
وهذا القول اختاره ابن القيّم، واختاره ابن حجر، ونسبه السهيلي إلى المشهور، فلاحظوا زاد المعاد (2) ، وفتح الباري (3) .
يقول ابن حجر الطريقة التي أخرجها مسلم مصرّحة بأنّها في زمن الفتح أرجح، فتعيّن المصير إليها.
فإذا كان رسول الله قد حرّم في عام الفتح، إذن المتعة حرام وإنْ لم يعلم بذلك علي ولا غيره من الصحابة، وعلم بها عمر ومن تبعه.
(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 9/ 138.
(2) زاد المعاد في هدي خير العباد 2/ 184.
(3) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 9/ 138.
الصفحة 40
(يُتْبَعُ)