فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 33359 من 36878

وإذا أمعن الناظر فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط، والمراد به أنه إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان كذا يوم، ولم يكن ذلك اليوم أوله فإن الصوم صحيح، وأوله هوذلك اليوم الذي اجتمع الناس عليه، وكذا يقال في يوم الفطر ويوم الأضحى، ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة، تفهم معاني ألفاظها مفردة، وأذا تركبت تحتاج في فهمها ألى استنباط (1) .

ورأي ابن الأثير في التقرير والتنظير سليم، وفي الشرح والأرادة مناقش مفهومًا وشرعًا، إذ يرجع بذلك عادة إلى الفقهاء عندما يراد تقرير حكم من الأحكام، إذ ما قيمة صيام يوم وهو ليس من رمضان عند الله وهو رمضان عند الناس، وما أهمية عيد الناس وهو رمضان عند الله وأنى يحصل هذا الاجتماع المشار إليه. وهذا من عيوب ابن الأثير الذي تؤخذ عليه أن معتد بنفسه اعتدادًا لا يحسد بل لا يحمد عليه، وإن أحكامه قطعية غير قابلة للأخذ والرد، وأنه لا يقلب الوجوه المحتملة للنص، والأولى بالنسبة لهذا الخبر أن يفسر دلالة الألفاظ التي يستنبطها ابن الأثير بأحد وجهين أو بهما معًا لا من باب القطع بأن هذا هو مراد رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم) ولكن من قبيل الانطباق ولا مانع أن يدل على معنى لم نهتد إليه، والوجهان هما: ـ

أ ـ إنّ يوم صومكم وفطركم وأضحاكم، إنما يتحدد بثبوت الهلال ولثبوته طرق شرعية معروفة لدى الفقهاء، وهذا اليوم ثابت لكم أيها المسلمون إذا حصل فيه الشياع العام، بحيث لا تحتاج رؤية الهلال إلى شهود إثبات، فهو شائع وظاهر في السماء لا يختلف به اثنان وبذلك يكون واقعيًا لتواتر القول من قبل الصغير والكبير والقريب والبعيد بوجود الهلال في السماء دون ريب. هذا إذا كان المراد هو الحديث عن هذه النقطة دون غيرها، أما إذا كان الحديث إرشاديًا عباديًا تربويًا فقد يراد به المعنى العرفاني الذي يغلب على الظن إرادته من قبل المنقذ الأعظم لأنه واقعي الدلالة وإنساني الإرادة وهو الوجه التالي: ـ

(1) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 116 وما بعدها.

ب ـ إنّ صومكم أيها المسلمون، عبارة عن أيام معدودات، وفيه المتقبل غير المتقبل، وفيه الخالص وفيه المشوّب، وفيه الامتناع عما يسخط الله، والله عزّ وجلّ يريد لهذه الأيام أن تكون متتابعة في القبول، ومتاوقة بالرضا، فيوم صومكم يوم تصومون واقعًا بشرط الصيام وشروطه، صيام الجوارح والأعضاء والأجهزة كافة، عن النظر المحرم والغيبة والنميمة والكذب والسعي في غير طاعة الله مضافًا إليه الأكل والشرب من الفجر إلى الغسق، فيكون حينئذٍ خالصًا لله دون رياء أو دجل أو جهل أو إغماض، وإن فطركم يوم تفطرون، مغفورًا ذنوبكم، ومتجاوزًا عن سيئاتكم، ومقبولًا ما مضى من صيامكم، ومباركًا عليكم في الأجر والثواب والإنابة وإن لم يتحقق ذلك فليس لكم يوم فطر بالمعنى الدقيق وإن فطرتم، لأن يوم تفطرون هو ذلك اليوم الذي يكون للمسلمين عيدًا ولمحمدٍ وآله ذخرًا وشرفًا ومزيدًا ولا يكون ذلك إلا مع الصوم المتقبل، والعيد الذي يأمن به المسلمون الوعيد.

وإن أضحاكم يوم تضحون، وقد تكاملت مناسك الحج على سنتها وتعاقبت على فروضها، فعاد حجكم مبرورًا، وسعيكم مشكورًا، و ذنبكم مغفورًا، لأداء هذا الفرض بموازينه ودقائقه فذلك هو اليوم الواقعي لأضحاكم، لانسلاخكم فيه عن الخطايا كما سلخت الأضاحي وكل هذا مما تنهض به دلالة الألفاظ ونحن نتدارس هذا النص في ضوء معطياتها البلاغية والنقدية واللغوية.

وفي دلالة الألفاظ على معانيها مسبوكة، يشير ابن الأثير إلى موقع اللفظ من النظم وإلى أهمية النظم في تقويم دلالة اللفظ فيقول: بل أريد أن تكون الألفاظ مسبوكة سبكًا غريبًا، يظن السامع أنها غير ما في أيدي ألناس وهي مما في ايدي الناس (1) .

ويريد بالسبك الغريب هنا كما هو واضح من دلالة اللفظ، السبك الطريف، لا الإيغال الوحشي.

(1) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 122.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت