جاء هذا التنظير كشفًا لنظرية البحث الدلالي لا غير، تدور حول محوره، وتتفيّأ ظلاله، وليست استقطابًا لما أورده القرآن العظيم في هذا المجال فهو متطاول ينهض بموضوع ضخم وحده.
(1) إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ: 68 وما بعدها.
الفصل الثالث
تطبيقات البحث الدلالي في القرآن الكريم
وفي ضوء ما تقدم من كشف وممارسة، فقد لمسنا في مجموعة التركيبة اللفظية للقرآن الكريم لغة اجتماعية ذات طابع دلالي خاص، تستمد نشاطها البنائي من بنيات بلاغية متجانسة حتى عادت لغة مسيطرة في عمقها الدلالي لدى عامة الناس في الفهم الأولي، وعند خاصة العلماء في المعاني الثانوية، وتوافر حضورها في الذهن العربي المجرد حضورًا تكامليًا، بعيدًا عن الإبهام، والغموض والمعميات ولا مجال للألغاز في تصرفاتها ولا أرضية للمخلّفات الجاهلية في ثروتها، تبتعد عن الوحشي الغريب، وتقترب من السهل الممتنع ذلك من خلال التعامل اللغوي الموجه للفرد والأمة مما فرز حالة حضارية متميزة تعنى بالجهد الفني تلبية للحاجة الإنسانية الضرورية في التقاء الفكر بالواقع واللغة بالعاطفة والشكل بالمحتوى دون تعقيد ثقافي يجر إلى تكوينات متنافرة.
وعلى الرغم من توقف جملة من علمائنا الأوائل عن الخوض في حديث المداليل في القرآن الكريم، فإن القرآن يبقى ذا دلالة أصلية، وما معاملتهم له إلا دليل تورع وتحرج عن الفتوى بغير مراد الدلالة حتى وإن أدركوها إجمالًا.
كان الأصمعي ـ وهو إمام أهل اللغة ـ لا يفسر شيئًا من غريب القرآن وحكي عنه أنه سئل عن قوله سبحانه: (قد شغفها حبًّا ... ) (1) فسكت و قال: هذا في القرآن ثم ذكر قولًا لبعض العرب في جاريةٍ لقوم أرادوا بيعها:
(1) سورة يوسف: 30.
أتبعونها، وهي لكم شغاف ولم يزد على ذلك، أو نحو من هذا الكلام (1) .
ولو تجاوزنا حدود العلماء والنقاد العرب، إلى القادة والسلف الصالح لوجدنا الأمر متميزًا في احترام النص القرآني، ومحاطًا بهالة متألقة من التقديس، فلقد قال الإمام علي عليه السلام مجاهرًا: وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه وبيت لا تهدم أركانه، وعز لا تهزم أعوانه (2) .
وهو تعبير حي عن حماية القرآن وصيانته، وتبيان لحجج القرآن ودلالته.
وقد كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ـ وهو من الفصاحة في ذروة السنام والغارب ـ يقرأ قوله عزّ وجلّ: (وفاكهةً وأبّا(31 ) ) (3) فلا يعرفه فيراجع نفسه ويقول: ما الأب؟ ثم يقول: إن هذا تكلف منك يا ابن الخطاب (4) .
وكان ابن عباس رحمه الله وهو ترجمان القرآن و وارث علمه يقول: لا أعرف حنانًا ولا غسلين ولا الرقيم (5) .
ولا يعني التحرج في كشف الدلالة القرأنية عدم وضوح الرؤية، أو انعدام المراد بل على العكس أحيانًا، فقد أجمع النقاد على سلامة النظم القرآني، وتواضعوا على إعجازه، بل اعتبروا استعمال القرآن لأفصح الألفاظ بأحسن المواقع متضمنة أسلم المعاني وأعلى الوجوه دلالة، من مخائل الإعجاز القرآن، حتى أوضح الخطابي (ت: 388 هـ) هذا العلم بقوله: واعلم أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمنًا أصح المعاني (6) .
(1) الخطابي، بيان إعجاز القرآن: 34.
(2) ظ: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 8/ 273.
(3) سورة عبس: 31.
(4) الخطابي، بيان إعجاز القرآن: 36.
(5) المصدر نفسه: 36.
(6) المصدر نفسه: 27.
(يُتْبَعُ)