إن هذا الاختيار للألفاظ ذاتها، بل الألفاظ منضمة إلى المعاني، بحيث لا يتحقق المعنى المراد إلا بهذا اللفظ دون سواه، بغض النظر عن الاعتبارات البديعة الأخرى فلا الألفاظ ذات أولوية على حساب المعاني ولا المعاني ذات أولوية على حساب الألفاظ.
القرآن الكريم فضلًا عن كونه نصًا إعجازيًا لا طاقة لنا على إدراك خصائصه الفنية على الوجه الأكمل، فإنه نص أدبي باهر تتوافر فيه سمات أرقى نص عربي وصل إلينا دون ريب. ومن هنا فإننا نختلف مع جملة من العلماء الذين يرون عناية القرآن بالألفاظ ناجمة عن العناية بأصناف البديع، وفنون المحسنات اللفظية المتوافرة في القرآن، ومع توافر هذه الفنون في القرآن فإنها غير مقصودة لذاتها، وإنما جاءت بتناسقها ضرورة بيانية يقتضيها جمال القول، وهذه الضرورة نفسها لم تكن متكلفة ولا ذات نزعة مفروضة كما هي الحال في الأسجاع المتناثره هنا وهناك في النثر العربي القديم، فإنها أريدت في النصوص الأدبية هكذا، سواء أحققت الغرض المعنوي أم لم تحققه إطلاقًا، لأن المهمة في مثل هذه اللوحات مهمة لفظية فحسب حتى أنها لتثقل النص بمحسنات يزداد معها النص انصرافًا عن الديباجة والذائقة الفنية وتزداد معه النفس تبعًا لهذا الانصراف عزوفًا أو نفورًا.
(1) بنت الشاطئ التفسير البياني للقرآن: 1/ 206.
أما بالنسبة للقرآن العظيم فإن هذه الظاهرة مدفوعة أصلًا إذا ليس في القرآن مهمة لفظية على وجه، ومهمة معنوية على وجه آخر بل هما مقترنان معًا في أداء المراد من كلامه تعالى دون النظر إلى جزء على حساب جزء غيره، فالتصور فيه دفعي جملي مرة واحدة دون تردد أو إمهال، وحسبك ما تشاهده في جميع أصناف المحسنات البديعية الواردة في القرآن، وفي طليعتها السجع وانتظام الفواصل وتوافقها دليلًا على صحة هذا الرأي، وطبيعي أن نهاية الفقرات والسجع في النثر العربي، تقابله الفواصل في القرآن الكريم وهي تسمية اختيارها جهابذة الفن، وعلماء الصناعة تكريمًا للقرآن عن مقايسته بسواه.
إذن هذه الفواصل على تقاطرها وتواردها في النصوص القرآنية وقد يرتفع بعضها إلى سور متكاملة لا سيّما القصار كالإخلاص، والقدر، والناس، والعصر، والكوثر ... الخ.
وهناك سور متوسطة الطول والقصر وقد تناوبها السجع من أولها إلى آخرها كما هي الحال ـ على سبيل الأنموذج في سورة الأعلى.
إن هذه السورة ولنتبرك بذكرها كاملةً: ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
(سبّح اسم ربّك الأعلى * الذي خلق فسوّى * والّذي قدّر فهدى * والذي أخرج المرعى * فجعله غثاءً أحوى * سنقرئك فلا تنسى * إلاّ ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى * قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والأخرة خير و أبقى * إنّ هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى *) .
مما وقف عنده العرب موقف المتحير المتعجب بوقت واحد فهي على وتيرة واحدة في فاصلة متساوية تختتم بالألف، ومن أولها إلى نهايتها، ولو شئت أن تغير أية كلمة من هذه الفواصل، وتضع ما يلائمها بدلها في سبيل تغيير صيغة الفاصلة لما استطعت أن تحقق الدلالة اللفظية
التي حققها القرآن الكريم، وما يقال في جميع السور والآيات الأخرى، وبالنسبة للصنوف البديعة كافة.
وهنا ـ ونحن في هذا السياق ـ أود أن أشير إلى صيغة تنسجم مع هذا العرف الذي نتحدث عنه بإيجاز، هذه الصّيغة هي كلمة المقابر في قوله تعالى: (الهاكم التكاثر * حتّى زرتم المقابر *) (1) كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون *) (2) ، فإذا جاز له الانتقال بها جاز له الانتقال فيما قبلها مباشرة كما هو ظاهر، بل إن هذا اللفظ المقابر يفرض نفسه فرضًا قاطعًا، وذلك أن هذا الأنسان المتناسي الطاغي المتكاثر بأمواله ولذاته، وشهواته، ومدخراته، ونسائه، وأولاده، ودوره، وقصوره وخدمه وحشمه، وإداراته وشؤونه، وهذا كله تكاثر قد يصحبه التفاخر، والتنابز، والتنافر، إن هذا مما
(يُتْبَعُ)