إن هذه المدرسة المتفوقة الأدراك لم تتأصل فجأة، ولم تتبلور معطياتها الجمالية بغتة، وإنما عركها الزمن في تطوره من خلال الأخذ والرد وتقلب أيدي الفطاحل من العلماء الناقدين، فأتت مختمرة الأبعاد وإن عبر عنها بشكل وآخر، إلا أننا نرصدها هنا وهناك بعد جهد وعناء، حتى تتكامل الرؤية الحقيقية لهذه المكنونات المجتزأة في إشارة عابرة حينًا، وفي إفادة عامة حينًا آخر، وبين طيّات تلك الكتب التي يصور هدفها الأولي مرادًا معينًا قد يختلف عما نحن بصدد إبرازه إلى العيان، وليس اكتشاف هذه الشذرات أمرًا هينًا. ولكنه بطبيعة البحث العلمي عناء متراكم تتولد عنه
(1) ظ. المؤلف، نظرية النقد العربي في ثلاثة محاور متطورة، قضية اللفظ والمعنى.
راحة تامة إذا حقق أصلًا تراثيًا أو مجدًا فنيًا تعقبهما النتائج الرصينة، ولا أدعي هذا للبحث، فقد يحدث وقد لا يحدث، ولكني أشير إليه باستقراء محدود قد يفتح الطريق أمام الباحثين، لأنه سمات إلى الركب الصاعد، ومؤشرات في مسيرته كما سنرى.
1ـ لا شك أن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 175هـ) قد أفاد الدارسين العرب في مباحث معجمه الأصيل (العين) (1) حين بحث في تراكيب الكلمات من مواردها الأولية في الجذر البنيوي، الحرفي، ومن ثم تقسيمه على ما يحتمله من ألفاظ مستعملة، وأخرى مهملة لدى تقلب الحرف في التركيب لتعود ألفاظًا بداية ونهاية طردًا وعكسًا، ومن ثم إيجاد القدر الجامع بين المستعمل منها في الدلالة. والمهمل دون استعمال.
وقد كان الخليل هو الرائد الأول لهذا الباب دون الخوض في التفصيلات المضنية للبحث الدلالي كما يفهم في لغة التحديث، لأن مهمته كانت لغوية إحصائية ولكنها على كل حال تشير إلى دلالة الألفاظ كما يفهمها المعاصرون عن قصد أو غير قصد، وهو إلى القصد أقرب وبه ألصق لما تميز به الخليل من عبقرية ولما اتسمت به بحوثه من أصالة وابتكار. وقد أفاد من ذلك كثيرًا سيبويه (ت: 180 هـ) كما يتضح من استقراء الكتاب.
2ـ وهذا أبو عثمان الجاحظ (ت: 255هـ) وهو حينما يتحدث عن مناسبة الكلام لمقتضيات المقام، وهي حالة بلاغية، إنما يتحدث عما يحدثه معنى اللفظ عند السامع من فهم لايتعدى فيه المتكلم حدود دلالة الألفاظ على المعاني لدى المتلقي فيقول: ـ (ينبغي للمتلكم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك مقامًا حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني،
(1) حقق الدكتور عبد الله درويش عميد كلية دار العلوم في جامعة القاهرة ما عثر عليه من كتاب العين وطبعه ومن ثم قام الأستاذان الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي بتحقيقه كما تركه مؤلفه وقامت وزارة الثقافة والإعلام في العراق بطبعه طباعة أنيقة في ثمانية أجزاء.
ويقسم المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات) (1) .
وهو بهذا يريد أن يتحدث عن الدلالة في ابعادها المخصصة لها فلا تتعدى حدودها ولا تتجاوز مفهومها، وإن ربط بينها وبين عقلية المتلقي في مطابقة المقال لمقتضى الحال كما يقول البلاغيون، أو مطابقة الكلام لمناسبة المقام.
3ـ وأبو الفتح، عثمان بن جني (ت: 392 هـ) يعود بدلالة الألفاظ عند اختراعها وابتكارها وموضعتها إلى أصول حسية باديء ذي بدء حين تكلم عن ذلك.
وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.
«وهذا عندي وجه صالح، ومذهب متقبل» (2) .
(يُتْبَعُ)