(3) ظ: المصدر نفسه: 98.
(4) المصدر نفسه: 201.
على معنى، وذلك عنده شيء واحد متقارب في استنتاج الدلالة الخاصة بكل شكل ذي حروف مؤلفة. وفي هذا الصدد يقول: «زعم قوم أن الكلام ما سمع وفهم، وذلك قولنا قام زيد وذهب عمرو، وقال قوم: الكلام حروف مؤلفة دالة على معنى والقولان عندنا متقاربان لأن المسموع المفهوم لا يكاد يكون ألا بحروف مؤلفة تدل على معنى» (1) .
وقد يطول بنا الحديث لو أردنا استقراء نظرية ابن فارس في هذا المدرك الدلالي، ومفهوم الدلالة عنده، وما تقدم استعراض للمهم من توجهه الدلالي، أما نظريته في جزء منها فقد لخصها مشكورًا بعض الدارسين العرب (2) .
5ـ والشريف الرضي (ت: 406 هـ) وهو الناقد الخبير والبلاغي المتنور الذي جمع رهافة الحس ودقة الملاحظة، فقد جاء نقده تطبيقًا لموارد النقد، وتحقيقه البلاغي تنظيرًا لمظاهر البلاغة، وهو تشخيصي النقد، تطبيقي البلاغة، و «تلخيص البيان» من أهم كتبه الريادية (3) وأعطف عليه «المجازات النبوية» (4) فهما الميدان الدلالي لهذا المنحى المتطور.
أما تعقيبه النقدي أو البلاغي أو اللغوي على مختاراته من كلام ورسائل وخطب ووصايا وحكم أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) المسمى «نهج البلاغة» (5) فيعد ـ بحق ـ من أبرز مصاديق النقد البلاغي التحليلي القائم على أساس استعمال العرب البياني في أمثلة ونماذج حيّة ارتفعت بالشريف الرضي إلى مستوى أساطين هذا الفن كما أوضحنا ذلك
(1) ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة.
(2) ظ: د. صبحي البستاني، مفهوم الدلالة عند ابن فارس في كتابه الصاحبي، بحث: الفكر العربي المعاصر آذار 1982 م.
(3) حققه في طبعة منقحة الأستاذ الدكتور محمد عبد الغني حسن، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1955 م.
(4) علق عليه وطبعه الأستاذ محمود مصطفى مدرس الآداب بكلية اللغة العربية بالأزهر، مطبعة مصطفى البابي، القاهرة، 1937.
(5) شرحه عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد (ت: 656هـ) وحققه في عشرين مجلدًا الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1959م.
في مهرجان الشريف الرضي (1) .
وبين يدي الآن «المجازات النبوية» وهو حاشد بإفاضات الشريف الرضي الدلالية في المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية وما تلاحظه فيه تجده في تلخيص البيان، وكله نماذج صالحة للاستدلال، وليس على سبيل الاختيار وأورد هذا المثال من شرح وإبانة الرضي في الحديث الشريف: ـ
«إيّاكم والمغمضات من الذنوب» .
فإنه يقف عند دلالة اللفظ ويقول: ـ
«المراد بالمغمضات هنا على ما فسره الثقات من العلماء: الذنوب العظام يركبها الرجل وهو يعرضها فكأنه يغمض عينيه تعاشيًا عنها وهو يبصرها، ويتناكرها اعتمادا وهو يعرفها، وربما روي هذا الخبر بفتح الميم من المغمضات فيكون المراد به على هذا الوجه ضد المراد به على الوجه الأول لأن المغمضات بالكسر: الذنوب العظام، والمغمضات بالفتح الذنوب الصغار، ... وإنما سميت مغمضات لأن تدق وتخفى، فيركبها الأنسان بضرب من الشبهة ولا يعلم أنه عاصٍ يفعلها» (2) .
فالرضي هنا أشار لدلالة اللفظ بلاغيًا فاعتبره استعارة ونقديًا بقوله: «فكأنه يغمض عينيه تعاشيًا عنها وهو يبصرها» ولغويًا فأعطى المعنى على جهة الأضداد في حالتي فتح الميم من (مغمضات) وكسرها، وهو بذلك يعطي نظرة الدلالة عمليًا.
وكذلك شأنه في جميع مختاراته من الحديث في الكتاب المذكور. والطريف عند الشريف الرضي في هذا المجال تداخل تطبيقاته لا في اختياراته فحسب، بل فيما يجري مجراها، ويتعلق بمضمونها، فيحمله عليها ويعتبره منها، وإن لم يقصد إليه أولًا وبالذات، ولكنه تدافع الكلام، وسبيل الاستشهاد المركز كما فعل عند قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «كيف أنت إذا بقيت في
(1) عقد في بغداد بمناسبة ذكراه الألفية (1406هـ) من قبل وزارة الثقافة والإعلام في قاعة ابن النديم وقاعة المتحف العراقي للفترة: 6، 7/ 10/1985م.
(2) الشريف الرضي، المجازات النبوية: 228 وما بعدها.
(يُتْبَعُ)