واستنادًا إلى هذا المفهوم الدقيق في المتميز بين دلالة لفظ ولفظ، وفروق قول عن قول، فإننا نشير هنا على سبيل الأنموذج التمييز في القرآن إلى ثلاث خصائص مهمة في الدلالة تتجلى في ثلاث ظواهر بيّنة:
الظاهرة الأولى:
إن اختيار القرآن للألفاظ في دلالتها إنما جاء متناسقًا مع مقتضيات الحال وطبيعة المناسبة وقد يكون ذلك التناسق صادرًا لجهات متعددة تؤخذ بعين الاعتبار لدى تجديد القرآن لمراد الاستعمال في الحالات الوصفية والتشبيهية والتمثيلية والتقديرية مما نستطيع التنظير له بما يلي:
أ ـ ما أراد به القرآن صيغة معينة لحالة معينة تستوعب غيرها ولا يستوعبها غيرها، فإنه يعمد إلى اختيار اللفظ الدقيق لهذه الغاية فيتبناه دون سواه من الألفاظ المقاربة أو الموافقة أو الدارجة كما في قوله تعالى: (والّذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظّمئان مآءً حتّى إذا جآءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب *) (2) .
(1) الخطابي، بيان إعجاز القرآن: 29.
(2) سورة النور: 39.
وقد يسد غيرها في معنى دلالي متميز، فالله تعالى أراد الظمآن بكل ما تحمله الكلمة في تضاعيفها الأولية والثانوية من دلالات خاصة بها فلا تسد مسدها ـ مثلًا ـ كلمة الرائي، لأنّ الرائي قد يرى السراب من بعيد وهو ليس بحاجة إليه، فلا يتكلف إلا الخداع البصري أما الظمآن فإنه يكد ويكدح ويناضل من أجل الوصول إلى الماء حتى إذا وصل إليه وإذا بما حسبه ماءً قد وجده سرابًا، فكانت الحسرة أعظم والحاجة أشد ولم يبرد غليلًا، ولم يدرك أملًا.
قال أبو هلال العسكري (ت: 395 تقريبًا) : «فلو قال يحسبه الرائي ماءً لم يقع قوله (الظمآن) لأن الظمآن أشد فاقة إليه وأعظم حرصًا عليه (1) .
ب ـ وما أراد به القرآن الاتساع المترامي، فإنه يختار له الألفاظ الدالة على هذا الاتساع بكل شمولية واستيعاب فحينما نتدارس بإجلال قوله تعالى:
(وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها كل في كتاب مبين *) (2) .
فسنجد عمومية الألفاظ وشموليتها مما يتناسب مع عمومية المعاني وتطاولها، ويتواكب مع استقرار كل الجزئيات وعدم تناهيها، وذلك من أعاجيب القرآن وطرائفه، وهذه الألفاظ في هذه الآية هي: دابة، الأرض، الله، رزقها، مستقرها، مستودعها، كل، كتاب.
هذه الألفاظ في تراصفها وتقاطرها تفيد عمومًا لا خصوص معه وتتجه نحو الإطلاق فلا تقييد، كما سنرى في هذا العرض: ـ
الدابة تستوعب مجموعة عامة مركبة من خلق الله مما دبّ وهب ودرج من الانس والجن والطير والأنعام والوحوش والهوام وكائنات لا نعرفها، ومخلوقات لا نتصورها، أرأيت عمومية وشمولية كهذا في دلالة لفظ واحد عليه مع عدم إمكان حصر ملايين النسمات في ضوئه.
والأرض هذه الكرة الفسيحة بجبالها ووهادها ومفاوزها وأشجارها
(1) العسكري، كتاب الصناعتين: 246.
(2) سورة هود: 6.
وأنهارها وآبارها، داخلها وخارجها، ظاهرها وباطنها كلها عوالم مترامية الأطراف واسمها الأرض، هذا اللفظ البسيط الساذج المتداول، ولكنها بقاع العالم وأصقاع الدنيا ومحيطات الكون.
ولفظ الجلالة في إشارته لذاته القدسية التي لا تحد بزمان ولا مكان، ولا تنظر بأين أو كم أو كيف، ولا تمثل بجسم أو كائن أو تشخيص يتناهى لله كل متناه، ولا يدركه نظر أو بعد ولا يسمو إليه فكر أو عقل، دال على ذاته بذاته، ومتعالٍ عن سائر مخلوقاته.
والرزق بمختلف اصنافه، وعلى كثرة سبله وطرقه عام لا خاص، ومطلق لا مقيد في الملبوس والمأكول والمشروب والمدّخر والمقتنى، بل في الأولاد إن كانت من الرزق، والصحة أعظم هبة ومنحة يهبها الله تعالى لعباده فهي من الرزق الحسن العظيم ولا نريد تحديد اللفظ وتصنيفه، أو توسيعه وتحميله ما لا يتسع إليه، ولكن جميع هذا الرزق على فضفاضيته في حرز متكامل، ونظام دقيق يشمل هذه الكائنات المتعددة بحسب احتياجاتها المتكاثرة، وشؤونها المتنوعة غير المحصورة إلى كل هذه الخلائق يصل هذا الرزق وهو مكفول لكل نسمة حسب حاجتها على ما توجبه الحكمة العليا وتقتضيه مصلحة العباد في تفاوت أو
(يُتْبَعُ)