فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 33387 من 36878

تقدير، وسعة إملاء من أجل تنظيم مسيرة العالم في استدرار المعايش وتحقيق معنى الاستخلاف على الأرض.

والمستقر بالنسبة لهذا الكائنات قد يراد به موضع القرار أو حيث تأوي إليه من الأرض أو مايستقر عليه عملها واللفظ عام ولا مانع من إرادة هذه المعاني كافة، بل ومفاهيمها عامة.

والمستودع بالنسبة للكائنات ذاتها، قد يراد به الموضع الذي أودعها الله فيه وهو أصلاب الآباء وأرحام الأمهات أو هو مستودعها الأخير حين تموت، فتموت لتبعث أو ما يؤول أليه مصيرها نتيجة عملها، واللفظ عام، ولا مانع من استيعابه هذه المعاني (1) .

(1) ظ: في كلمتي: مستقر ومستودع، الطبرسي، مجمع البيان: 3/ 144.

وكل لفظ يدل على العموم بل هو من أدوات العموم ليتساوى المعنى العام مع اللفظ العام.

والكاتب جامع مانع في إحصائية استقصائية لأعمال الخلائق وتصريف شؤونها، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

إن آية واحدة من كتاب الله ترتفع بنا إلى المستوى الدلالي المتطور في جملة ألفاظها، فكيف بسورة منه يا ترى وأين موقعنا من آياته وسوره كافة.

حـ ـ وما أراد به الإيحاء الخاص الكامن وراء دلالة اللفظ فإنه يختار بذاته لتلك الدلالة بذلك الإيحاء ولو دققت النظر في استعمال لفظ «زرتم» في سورة التكاثر (حتّى زرتم المقابر *) (1) لتبين لنا أن القرآن لم يستعمل الزيارة إلا في هذه الأية وإنه استعمل مادتها في آيات أخر، وهذا الاستعمال يوحي بدلالة حسبة قد لا ينبئ عنها ظاهر اللفظ، ومركزي المعنى بقدر ما يصوره إيحائي التعبير الدقيق، ويبدو أن أعرابيًا مرهف الحس قد التفت إلى هذا الملحظ الشاخص فقال حينما سمع الآية على فطرته الصحراوية، وبوحي من بداوته الصافية قال: ـ

«بعث القوم للقيامة ورب الكعبة فإن الزائر منصرف لا مقيم» (2) ، لقد وضع هذا الإعرابي يده على حسّ بلاغي عميق، أدرك فلسفة تخير هذا اللفظ دون سواه، بعيدًا عن الفهم التقليدي والوعي القاصر في ترددات الناس بصورة الزيارة وكيفيتها ومؤداها لأنه في استعمال الزيارة عدة احتمالات فقد يأتي بمعنى الموت وقد يعبر عن الموت بالزيارة، وقد يراد غير هذا وذاك، في إيحاء باهر جديد يضع القرآن له أصلًا مبتكرًا في عالمي النقد الأدبي والبيان العربي.

تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن في هذا المقام: ـ

(1) سورة التكاثر: 2.

(2) أبو حيان، البحر المحيط: 8/ 507.

«وفي التعبير عن الموت بالزيارة ملحظ بياني بالغ القوة فاستعمال الزيارة بهذا المعنى صريح الإيحاء بأن الإقامة في القبر ليست إقامة دائمة، وإنما نحن فيها زائرون، وسوف تنتهي الزيارة حتمًا إلى بعث وحساب وجزاء، وهذا الإيحاء ينفرد به لفظ «زرتم» دون غيره، فلا يمكن أن يؤديه لفظ آخر كأن قال: «قبرتم أو سكنتم المقابر، أو انتهيتم إليها، أو أقمتم بها ألى غير ذلك من ألفاظ تشترك كلها في الدلالة على ضجعة القبر، ولكن يعوزها سر التعبير الدال على أنها زيارة، أي إقامة موقتة، يعقبها بعث ونشور» (1) .

الظاهرة الثانية:

إن هذا الاختيار للألفاظ ذاتها، بل الألفاظ منضمة إلى المعاني، بحيث لا يتحقق المعنى المراد إلا بهذا اللفظ دون سواه، بغض النظر عن الاعتبارات البديعة الأخرى فلا الألفاظ ذات أولوية على حساب المعاني ولا المعاني ذات أولوية على حساب الألفاظ.

القرآن الكريم فضلًا عن كونه نصًا إعجازيًا لا طاقة لنا على إدراك خصائصه الفنية على الوجه الأكمل، فإنه نص أدبي باهر تتوافر فيه سمات أرقى نص عربي وصل إلينا دون ريب. ومن هنا فإننا نختلف مع جملة من العلماء الذين يرون عناية القرآن بالألفاظ ناجمة عن العناية بأصناف البديع، وفنون المحسنات اللفظية المتوافرة في القرآن، ومع توافر هذه الفنون في القرآن فإنها غير مقصودة لذاتها، وإنما جاءت بتناسقها ضرورة بيانية يقتضيها جمال القول، وهذه الضرورة نفسها لم تكن متكلفة ولا ذات نزعة مفروضة كما هي الحال في الأسجاع المتناثره هنا وهناك في النثر العربي القديم، فإنها أريدت في النصوص الأدبية هكذا، سواء أحققت الغرض المعنوي أم لم تحققه إطلاقًا، لأن المهمة في

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت