وأشار إلى أهل الالحاد، ثم قال ناقلا عن السيد أبى طالب: إن كثيرا من أسانيد الاثنى عشرية مبنية على أسام لا مسمى لها من الرجال، وقال: وقد عرفت من رواتهم المكثرين من كان يستحل وضع الأسانيد للأخبار المنقطعة إذا وقعت إليه. ثم قال: (إن صح ما روى عن المقاتلية، فقد عبدت صنما كأصنام الجاهلية، زعمت أن معبودها كالآدمى من لحم ودم، يبطش بيد ويمشى على قدم) واستمر يحكى عن كل فرقة فرقة زائف آراء كل منها، ويشدد النكير عليها، معلقا استنكاره لها على تقدير ثبوتها عنهم بقوله: (أو صح) عند ذكر كل فرقة إلى أن يستوفى ذكر الفرق كلها (275154) مفندا للآراء الباطلة التى تعزى إليها، لكنه
قال فيما قال: (أو صح ما روى عن مالك، في العبد المملوك وسيده المالك. أو صح ما روى عن الشافعى في القمار والشطرنج أو صح ما روى عن أبى حنيفة من تحليل مسكر الشراب.) مع أنه لا يعول على مثل أبى العلاء المعرى في تلك العزويات، والمعرى الّذي لا يتحاشى عن التطاول على رسل الله لا يتورع عن التحامل على الأئمة. وقد فجر هذا الملحد المكشوف الامر، حيث قال:
فافسق وو اشرب وقامر واحتجج ... في كل مسألة بقول إمام
فالإثفار ينكر أصحاب مالك العراقيون ثبوته عن مالك بشدة، فضلا عن خرافة المملوك وإباحة القمار افتراء على الشافعى، وإنما يبيح اللعب بالشطرنج، شحذا للذهن لكونه مبنيا على الحساب، إذا خلا عن المقامرة، وله في ذلك سلف وأبو حنيفة إنما أباح شرب ما سوى الخمر من الأنبذة، للتقوى لا للتلهى، لثبوت ذلك عن بعض فقهاء الصحابة، والخلاف فيه معروف بين السلف، على أن الفتوى في المذهب على تحريم ما أسكر كثيره، ولا يستساغ للأديب أن يعدو حد الأدب. في التنكيت كقول الزمخشرى:
وإن سألوا عن مذهبى لم أبح به ... وأكتمه كتمانه هو أحزم
فان حنفيّا قلت، قالوا: بأنّنى ... أبيح الطّلا، وهو الشّراب المحرّم
وإن مالكيا قلت، قالوا: بأننى ... أبيح لهم لحم الكلاب، وهم هم
وإن شافعيا قلت، قالوا: بأننى ... أبيح نكاح البنت، والبنت تحرم
وإن حنبليا قلت، قالوا: بأننى ... بغيض حلولىّ ثقيل مجسّم
وإن قلت: من أهل الحديث وحزبه ... يقولون: تيس ليس يدرى ويفهم
تعجّبت من هذا الزمان وأهله ... فما أحد من ألسن النّاس يسلم
ثم ذكر المؤلف اختلاف الناس في النبوة، وذكر قول أهل التناسخ بأنها مكتسبة، وهم خارجون عن الملة متوغلون في الضلال ثم ذكر اختلاف المختلفين من شتى الطوائف في حجية خبر الآحاد
وذكر في ثنايا كلامه كثيرا من الأشعار الرائعة، فقام المؤلف البارع بشرح غريبها، وإظهار مكنونها، وإيضاح خفاياها.