العالم من جنسه من الموت والشر، وكل واحد منهما معنى في نفسه، ولون كل هو طعمه، وهو رائحته، وهو صوته، وهو شيء واحد، ودليلهم على قدمهما استحالة حديث شيء إلا من شيء قبله، ودليلهم على حياة النور: تنقل الشمس وحركتها، والظلام قائم بحاله.
وقالت المرقيونية أصحاب يعقوب بن مرقيون [1] : ثلاثة أشياء قديمة:
شيئان نور وظلام، فالنور فاعل الخير، والظلام فاعل الشر، وثالث معدل بينهما ليس من جنسهما، وهما مصطلحان على فعله. وهم يرون النكاح وأكل اللحم، ويكرهون الذبيحة لما فيها من الألم.
وقالت الماهانية أصحاب ماهان وهو فارسى الأصل: بمثل مقالة المرقيونية، إلا أنهم وافقوا المانية في كراهية النكاح والذبائح.
وقال الصابئون [2] : شيئان قديمان: نور وظلام، فالنور عالم، والظلام جاهل، لأن النور يدخل على الظلام، ولا يدخل الظلام عليه، وذبحوا ونكحوا، وصاحبهم قابيل، وهو سريانى الأصل، وقيل إن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، وقيل:
إن الصابئين قوم يخرجون من دين إلى دين.
وقالت الصامونية: بمثل ما قاله الصابئين في النور والظلام، إلا أنهم خالفوا الصابئين في الذبائح والنكاح، وصاحبهم صامون، وهو سريانى الأصل.
وقالت الكنانية: الأصل ثلاثة: الماء والأرض والنار، ثم امتزجت هذه
(1) فى الاصل: مرقبون (بالباء)
(2) يقول الامام فخر الدين الرازى: الصبائية قوم يقولون إن مدبر هذا العالم وخالقه هذه الكواكب السبعة والنجوم. فهم عبدة الكواكب. ولما بعث الله إبراهيم عليه السلام كان الناس على دين الصبائية فاستدل إبراهيم عليه السلام عليهم في حدوث الكواكب كما حكى الله تعالى عنه في قوله: {لََا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} . واعلم أن عبادة الأصنام أحدث من هذا الدين. لأنهم كانوا يعبدون النجوم عند ظهورها ولما أرادوا أن يعبدوها عند غروبها لم يكن لهم بد من أن يصوروا الكواكب صورا ومثلا. فصنعوا أصناما واشتغلوا بعبادتها، فظهر من هاهنا عبادة الكواكب.