عليه بمثل هذا وأشباهه [1] . ويشبه هذا ما يورى عن الحسن أنه قال ـ وهو محق في قوله ـ إن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله ويقولون: إن الله سبحانه قد شاء ما نحن فيه وحملنا عليه وأمرنا به، فقال عز وجل: (( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ) (الأعراف، الآية 28) [2] . فهل كلام الحسن ـ رحمه الله ـ في الروايتين دل على أنه قدري؟ إن الجواب على ذلك واضح بداهة لأنه يرد على الذين يحتجون بالقدر على كفرهم ومعاصيهم ولا شك أن هذا الاحتجاج باطل وكلام الحسن حق [3] . وقد أشار ابن تيمية إلى أنه قال: قد اتهم بمذهب القدر غير واحد، ولم يكونوا قدرية، بل كانوا لا يقبلون الاحتجاج على المعاصي بالقدر، كما قيل للإمام أحمد: كان بن أبي ذؤيب قدريًا، فقال: الناس كل من شدد عليهم بالمعاصي قالوا: هذا قدري. وقد قيل: لهذا السبب نسب إلى الحسن القدر [4] .
د ـ وهناك روايات تنفي هذا الزعم، فعن عمر مولى غفرة قال: كان أهل القدر ينتحلون الحسن بن أبي الحسن، وكان قوله مخالفًا لهم كان يقول: يا ابن آدم، لا ترض أحدًا بسخط الله ولا تطيعنّ أحدًا في معصية الله، ولا تحمدن أحدًا على فضل الله، ولا تلومن أحدًا فيما لم يؤتك الله، إن الله خلق الخلق والخلائق، فمضوا على ما خلقهم عليه فمن كان يظن أنه مزداد بحرصه في رزقه فليزداد بحرصه في عمره، أو يغير لونه، أو يزيد في أركانه أو بنانه [5] .
هـ ومعلوم أن المعتزلة أجمعوا على اصولهم الخمسة، والحسن البصري يعتبر القول بالمنزلة بين المنزلتين بدعة تخرج صاحبها عن عقيدة الجماعة، ولذلك اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن لما خالفه في هذا الأصل، فكيف مع هذا يعتبر الحسن من علمائهم المنتسبين إليهم [6] ؟.
وـ وقد اشتهر عن بعض المعتزلة القدرية أنهم يكذبون على الحسن البصري، فقد ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عدة روايات تدل على ذلك، فمن ذلك ما رواه عن حميد قال: قدم الحسن مكة فقال فقهاء مكة: الحسن بن مسلم وعبد الله بن عبيد: لو كلمت الحسن فأخلانا يومًا. فكلمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد إخوانك يحبون أن تجلس لهم يومًا، قال: نعم ونعمة عين، فواعدهم يومًا فجاءوا فاجتمعوا، وتكلم الحسن وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة فلم يخطئ فيها شيئًا إلا في مسألة، فقال له
(1) المصدر نفسه صـ187.
(2) القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس صـ188.
(3) المصدر نفسه صـ188.
(4) منهاج السنة (1/ 362) القضاء والقدر صـ188.
(5) الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 175) .
(6) موقف المعتزلة من السنة النبوية صـ27.