مات محمد بن القاسم بالتعذيب، أو قتل بعد تعذيبه، دون أن يشفع لهذا القائد الشاب، بلاؤه الرائع في توسيع رقعة الدولة الإسلامية، ولا مهارته الفذة في القيادة والإدارة ولا انتصاراته الباهرة في السند، ولكنَّ آثاره الخالدة وأعماله المجيدة باقية بقاء الدهر، ولم يختره الله إلى جواره إلا بعد أن أبقى اسمه على كلِّ لسان وفي كل قلب، رمزًا للجهاد الصادق والتضحية الفذّة والصبر الجميل. أما الذين عذبوه فقد ماتوا وهم أحياء ولانزال حتى اليوم نذكر محمد بن القاسم بالفخر والاعتزاز، ونذكر الذين عذّبوه بالخزي والاشمئزاز [1] ، رحم الله محمد القاسم الشاب المظلوم، الأمير العادل الإداري الحازم، لقد بكاه أهل السند من المسلمين، لأنه كان يساويهم بنفسه ولا يتميز عليهم بشيء، ويعدل بالرعية ولأنه نشر الإسلام في ربوعهم فأرسل دعاته شرقًا وغربًا يجوبون البلاد التي فتحها وكان أكثر من هداهم الله إلى الإسلام من أهل السند على يديه [2] ، فمنذ الخطوات الأولى للفتح بدأت شخصيات كبيرة تعتنق الإسلام فعندما فتح محمد بن القاسم مدينة الديبل واستولى على قلعتها التي كان بها الأسرى من الجنود والتجار المسلمين والنساء المسلمات وقتل حرّاس القلعة بناء على أوامر الحجّاج انتقامًا لشهداء المسلمين، عندئذ جاء مدير السجن الذي كان به المسلمون طالبًا العفو عنه لأنه كان محسنًا للأسرى المسلمين ويعاملهم معاملة كريمة، فلما تأكد محمد بن القاسم من صدقه عفا عنه، بل فوض إليه مهمة الإشراف على الشئون الاقتصادية بمدينة الديبل ثم أعلن الرجل إسلامه، فقربه محمد أكثر، وعينه مترجمًا لرئيس الوفد الذي أرسله إلى داهر ملك السند لتوجيه الإنذار إليه [3] ، وعندما تقدم محمد بن القاسم في السند، بعد فتح الديبل، وجه الدعوة إلى الأمراء والحكام والوزراء والأعيان وعامة الشعب للدخول في الإسلام، فاستجاب له كثيرون وبصفة خاصة من البوذيين [4] ، وقد كان لسلوك المسلمين وقائدهم الشاب، واهتمامه بإقامة المساجد وأداء شعائر الإسلام، أثر كبير في جذب الأهلين إلى الإسلام، فلم يكن محمد القاسم يدخل مدينة إلا ويبني فيها مسجدًا [5] ، فقد بنى مساجد في الديبل والرور والبيرون والملتان وغيرها من المدن السندية [6] ، فرحمة الله على هذا الفاتح الكبير.
توقفت الفتوحات في هذه الجبهة عند الحدود التي وصل إليها محمد بن القاسم، ولم يستطع ولاة بني أمية ـ فيما تبقى من عمر دولتهم ـ أن يضيفوا جديدًا، ولكنهم استطاعوا المحافظة على ما تحقق من فتوحات، وبذلوا قصار جهدهم في تثبيت أقدام الإسلام في
(1) المصدر نفسه صـ222.
(2) المصدر نفسه صـ221.
(3) العالم الإسلامي في العصر الأموي صـ445.
(4) العالم الإسلامي في العصر الأموي صـ446.
(5) المصدر نفسه صـ447.
(6) المصدر نفسه صـ447.