تجهَّزي بجهاز تبلُغين به ... يا نفس قبل الرّدى لم تُخلقى عبثا [1]
قال دكين: امتدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم صعاب [2] ، فكرهت أن أرمي بها الفجاج فتنتشر عليَّ، ولم تطب نفسي ببيعها، فقدمت علينا رفقة من مُضر، فسألتهم الصحبة، فقالوا: إن خرجت في ليلتك، فقلت: إنّي لم أودِّع الأمير، ولا بدَّ من وداعه، قالوا: إنّه لا يحتجب عن طارق ليل، فأتيته، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت وعنده شيخان أعرفهما، فودّعته. فقال لي: يا دكين، إنَّ لي نفسًا توّاقة فإن أنا صرت إلى أكثر ممّا أنا فيه، فبعَيْنٍ ما أرَيَنَّك، فقلت: أشهد لي عليك بذلك، فقال: أُشهد الله به، قلت: ومن خلقه؟ قال: هذين الشخصين، فأقبلت على أحدهما فقلت: من أنت أَعرفُك؟ قال: سالم بن عبد الله، قلت: لقد استسمنت الشاهد وقلت للآخر: من أنت؟ قال: أبو يحي مولى الأمير [3] ، فخرجت بهنَّ إلى بلدي، فرمى الله في أذنابهنَّ بالبركة حتى اعتقدت منهنَّ الإبل والغلمان فإني لبصحراء فلج [4] ، إذ ناعٍ ينعى سليمان بن عبد الملك، قلت: فمن القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز، فتوجهت نحوه، فلقيني جرير بالطريق جائيًا من عنده، فقلت: يا أبا حزرة من اين؟ فقال: من عند من يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، ولكن عوِّل عليه في مال ابن السبيل، فانطلقت فإذا هو في عرصة داره [5] قد أحاط به الناس، فلم يمكنِّي الرِّجْل إليه، فناديت:
يا عمر الخيرات والمكارم ... وعُمر الدَّسائع العظائم [6]
إنِّي امرءُ من قطن بن دارم ... أطلب دَيْنٍ من أخ مكارم
إذ ننتجي والله غير نائم ... في ظلمة الليل وليل عاتم [7]
عند أبي يحيي وعند سالم
فقام أبو يحيي فقال: يا أمير المؤمنين، لهذا البدوي عندي شهادة عليك، قال: أعرفها: ادنُ منِّي يا دُكين، أنا كما ذكرت لك، إنَّ نفسي لم تنل أمرًا إلا تاقت إلى ما هو فوقه، وقد نلت
(1) البداية والنهاية (12/ 706) .
(2) الصعاب: جمع صعبة، وهي نقيض الذلول: والصعبة التي لم
(3) الشعر والشعراء لابن قتيبة (2/ 611) .
(4) فلج: موضع في الصحراء.
(5) عرصة الدار: وسطها.
(6) الدسائع: العطايا والراغب الواسعة.
(7) ننتجي: نتناجى.